الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 حينما كنت امشي يوم الثلاثاء 4 فبراير الماضي في شارع «بيار نيكول» بباريس، كنت اشعر بريح ثلجية قارسة تلفح وجهي فأحاول التدثر اكثر فأكثر من هذا البرد الصقيعي الذي نزل بدرجة الطقس الى ما تحت الصفر والذي لم تشهده اوروبا منذ خمس سنوات، كنت اتجه الى قاعة المؤتمرات الواقعة في رقم 25 من ذلك الشارع غير بعيد عن جامعة السربون حيث دعيت الى حضور اجتماع سياسي ينظمه حزب التقدم والتضامن الذي يرأسه صديقي جاك شيمينال المرشح السابق لرئاسة الجمهورية الفرنسية، بالتعاون مع معهد «شيلر» العالمي الالماني الذي ترأسه الصديقة ملجازياب، وهو بذلك اجتماع فرنسي الماني دعيت لالقاء كلمة فيه امام عدد كبير من الشباب الاوروبي. كان موضوع الاجتماع مخطوطا على يافطة عريضة تتصدر القاعة، كتب عليها: «اوروبا العجوز تستيقظ على التحديات نحو اتحاد فرنسي الماني لرفض الحرب الاميركية على العراق»، وتعاقب على الخطابة جاك شيميناد والسيدة ملجازياب للتذكير بما قاله وزير الدفاع الاميركي رونالد رامسفيلد من ان الاتحاد الاوروبي هو قارة عجوز مؤكدين على ان عرافة الحضارة الاوروبية هي التي اولدت اميركا وهي ضمان للحكمة والتروي في التعامل مع تحولات العالم وتقلباته ومصالح الشعوب وذكر المتحدثان الاخطار التي ستنجم عن حرب اميركية سريعة دون اعطاء فرصة للحلول السلمية، وهذه الاخطار ستتحملها اوروبا وسيتحملها الشرق الاوسط وستهدد السلام العالمي وجمود التنمية والتعاون، وستضرب بوادر الاستقرار في العالم بأسره. كما تحدثا عن ضرورة الحفاظ على موقفي المانيا وفرنسا بزعامة المستشار تشرويد والرئيس شيراك واستعمال الفيتو الفرنسي في حالة تصويت مجلس الامن على قرار يجيز الحرب بدون استنفاذ الوسائل السلمية والدبلوماسية الاخرى. وحين دعيت الى القاء كلمة شعرت ان مئات الشباب الحاضر في ذلك الاجتماع يريد سماع وجهة نظر عربية وهو متعطش لمعرفة كيف نفكر نحن العرب ازاء هذه المصائب المعلنة.. فأثرت باللغة الفرنسية ام القضايا التي نشأت وتفرعت عنها كل الاحداث التي هزت منطقة الشرق الاوسط منذ نصف قرن، الا وهي قضية المظلمة التاريخية الكبرى التي يتعرض لها شعب فلسطين وهو سليب الحقوق محروم من ارضه ودولته يعاني نصفه الشتات امام قهر صهيوني تفاقم مع الليكود وشارون ليصبح ابادة جماعية وتطهيرا عرقيا تأباهما ضمائر الشعوب ويدينهما القانون الدولي. وقلت للشباب الاوروبي بأن المصنع الحقيقي للعنف والعنف المضاد هو غرق قضية فلسطين في الهمجية الصهيونية المسنودة اميركيا بدون اخلاق، ولابد من حل عادل لذلك الشعب كما لابد من تعامل اوروبي حكيم ومسالم مع قضية العراق.. وشعرت حين سمعت تصفيق الشباب الحاضر بان رسالتي المتواضعة بلغت شغاف هذه القلوب. وفي الحقيقة وابعد من هذا الاجتماع يلاحظ المرء كما لاحظت اثناء هذه الاجازة الشتائية في باريس بان الرأي العام الاوروبي بدأ ينحاز للحق العربي، وتلك نتيجة الصمود الفلسطيني، فقد سمعنا رئيس حكومة فرنسا جون بيار رافاران يعلق على خطاب الحرب الذي ألقاه الرئيس بوش والذي قال فيه ان «اللعبة انتهت» فأجاب رئيس الحكومة الفرنسي قائلا بان الامر ليس لعبة وليس لما نهاية. اما الصحف الفرنسية والالمانية وحوارات التلفزيون في هاتين الدولتين فانها اعلنت دهشتها لتشبيه الحرب باللعبة، وقالت اكبر صحف باريس «لوفيجارو» يوم السبت 8 فبراير بان العقلية الاميركية مع الاسف لا تفرق بين موت الناس في حرب وبين لعبة «بلاي ستاشن تو» وهو تعامل غريب مع المأساة الانسانية بكل تداعياتها على طريقة الليزر والقرص المدمج، كأنما ليس هناك اطفال ومرضى وابرياء وعزل بستحقون من صقور الادارة الاميركية اكثر من هذا التقييم. اما صحيفة «نوفيل سوليداريتي» الفرنسية فعلقت عددها ليوم 24 يناير 2003 على مقال تنظيري وقعه الكاتب الاستراتيجي الاميركي واستاذ العلوم السياسية بجامعة «مارفارى» ميكايل اينياتياف بعنوان «العبء الثقيل» في مجلة نيويورك تايمز الصادرة يوم 5 يناير 2003 والذي اعلن فيه بصراحة ضرورة تحويل الجمهورية الاميركية الى امبراطورية اميركية برغم ثقل هذا العبء حسب تحليله وهو يدعو الى اعتبار غزو العراق وتجريده من اسلحته مرحلة اولى لترتيب شئون الشرق الاوسط حسب مصالح الولايات المتحدة. وكتبت الصحفية الاميركية «كورين باكر» في الصحيفة الفرنسية تندد بمقال اينياتياف وتذكره بمصير الامبراطورية الرومانية حين توسعت بالهمجية. اما رئيس الحكومة الفرنسي الاشتراكي الاسبق لوران فابيوس فقال في القناة التلفزيونية الثانية صباح الثلاثاء الماضي «يجب على الرئيس شيراك ان يستعمل حق الفيتو، لان اميركا اليوم مع الاسف تريد تقزيم القانون الدولي ليخدم قوتها.. وقوتها هي مصالحها النفطية ولا يمكن للاتحاد الاوروبي ان يركع امام هذا المنطق». هكذا يتحرك الاتحاد الاوروبي وبخاصة عموده الفقري المتمثل في فرنسا وألمانيا محاولا اثبات طريق اخرى غير الحرب. فهل يقدر؟ ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر