الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 في بعض الأوقات تهزأ المناسبات بنا نحن العرب، ففي الوقت الذي يتزامن فيه عيد الأضحى بعيد فلنتاين الغربي (عيد الحب) يقدم من أوكل إليهم العالم مهمة المرافعة الأخيرة في تقديم أدلة الإدانة (بليكس والبرادعي) آخر شواهد الإدانة للنظام العراقي في محراب مجلس الأمن بعد أربعة أيام من الآن وفي خضم الاحتفال بعيد الحب!، يبدأ بعدها العد العكسي للإطاحة بالنظام في بغداد، اللهم لا شماتة. لقد افتقدت قيادة النظام العراقي القائم منذ أمد طويل قدرتها على البقاء على سطح العمل السياسي، ولكن منذ متى وفي آي زمن؟ قد يختلف المتابعون في تحديد الزمن حول هذا الموضوع، أما التوقيت التاريخي الصحيح الذي بدأ فيه العد العكسي لهذه الإطاحة المرتقبة بالنظام هي عندما قرر النظام العراقي التخلي عن الشعب العراقي، في البداية تخلى عن الأحزاب المنظمة التي كانت تناضل من اجل عراق ديمقراطي حر، ثم تخلى عن أحزاب تحالفت معه من خارج حزب البعث، ثم تخلى عن رفاق في الحزب نفسه، وبدا انه سعيدا وهو يقوم بالانفراد بالسلطة، ثم تخلى عن فكرة الحزب ليرفع راية العائلة، ثم تخلى عن العائلة ليرفع راية النفس، وكل هذه التصفيات هي من اجل تجنب الرأي الآخر وعزل المواطنين عن المشاركة في القرار الوطني، انها حالة كلاسيكية للوصول إلى حالة الاستبداد، الذي هو رفض الرأي الآخر مهما كانت قيمته، ومن أية جهة قدم، وبقي من حول الرئيس في نهاية الأمر أناس يؤمرون فيطيعون، وفي قلوبهم حسرة وعلى لسانهم نفاق، وفي ضميرهم توق للتخلص من هذا الظرف غير الإنساني، لا يعرفون كلمة لا في حياتهم العملية، منذ ذلك الوقت البعيد كأن الأمر قد حسم في عدم بقاء مثل هذا النظام لفترة طويلة، وبقي تحديد التوقيت لتاريخ الجنازة، الذي بدأ ينفد وقته بين أيدي الرئيس صدام حسين شيئا فشيئا حتى وصلنا فيه إلى اليوم الذي لا يوجد بعده يوم آخر، الدرس الذي لم يستوعبه صدام حسين ومن معه هو أن عافية المدن ومنعتها تكمن في حرية تفكير مواطنيها، وتفتقد هذه العافية قليلا قليلا حتى تذبل عندما تفتقد تلك الحرية، وقد يأخذ ذلك وقتا من الزمن و لكنه يأتي من دون ريب. صدام حسين اليوم و الأعمار بيد الله، ميت يمشي على قدمين، ذلك هو المقال المناسب للمقام المناسب، وكما قيل في السابق ان القيادة الهرمة للاتحاد السوفييتي هي جثث تنتظر الموت، يمكن بسهولة ويسر أن يقال ذلك على الرئيس العراقي اليوم ميت يمشي على قدمين، فلا مفر من تلك النتيجة، لقد اتخذ إلهه هواه منذ فترة، والموت هي نتيجة محتملة لمن يقوم بذلك الفعل، كان هذا صحيحا في الماضي وهو صحيح في الحاضر، و لا بد أن يكون صحيحا في المستقبل أيضا. ضجة عربية حولنا ضجة عربية واجتماعات ثنائية أو أكثر، ومناداة بعقد قمة عربية عاجلة، والأفضل ألا تعقد هذه القمة، لان نتائجها ستكون أكثر سلبية من عدم عقدها، فهناك من يريد أن يستخدم هذه القمة لتمرير شعارات أصبح المواطن العربي يشمئز منها، فهي تقول ما لا تؤمن به، فوق أنها تقول ما لا تستطيع أن تعمل، فلن يقول احد على الورق في هذه القمة أو في الميكرفونات ان الدفاع عن النظام العراقي في هذا الوقت قضية خاسرة، ولن يقول احد في هذه القمة ان هذا ما جناه السيد صدام حسين على نفسه وبلده التي زادت فقرا وقهرا وتخلفا بفضل انفراده بالسلطة والسلطان، حيث وضع نفسه بديلا لكل العراقيين في التفكير والتدبير، ولن يقول احد في هذه القمة ان ما بعد صدام حسين قد يكون أفضل مما هو الآن، فموت الأخ السريع قد يقلل من الآلام المتوقعة، لن يقال ذلك، ستخرج القمة ببيان جديده قديم، لا يتعدى الورق الذي كتب عليه، وربما توفد القمة وفدا على مستوى متوسط، يطلب من صدام حسين التعاون أكثر، هل نذكر كيف طلب العرب مرة سابقة من الرئيس السادات أن يمزق ما اتفق عليه مع إسرائيل في سبيل دعم مادي هو في خانة الوعود، لقد فشل ذلك الوفد، و مع اختلاف الظروف و الأهداف، سيفشل أي وفد تفكر فيه القمة القادمة ان انعقدت، فلم يعد للنظام العراقي بعد أوراق يلعب بها، لقد قدم من التنازلات ما لم يقدمه نظام آخر في التاريخ الحديث ولم يبق لديه شيء يقدمه إلا أن يستغني عن أسلحة الدمار وهو لن يفعل. في تاريخ العراق الحديث، وبسبب سحب القدرة من الفضاء السياسي العراقي على ممارسة الحرية الحقيقية لأفراد الشعب، يهتف الناس في الشارع للنظام القائم، وهو هتاف المقهور و المغلوب على أمره، وليس هتاف الحر الذي يتخذ القرار بنفسه، لقد رأى بعضنا، على سبيل المثال لا الحصر، كيف كانت المدن العراقية تخرج عن بكرة أبيها للهتاف للمرحوم عبد السلام عارف قبل أيام قليلة من احتراقه في طائرة الهليوكبتر المشهورة، وبعد أن سقط جثة هامدة، خرج من هتف بالأمس وفي الأماكن نفسها ليتذكر مساوئ المرحوم على أوسع نطاق، الجماهير نفسها مع اختلاف الشعارات هي التي تهتف مرتين مع وضد، وسوف يتكرر هذا في شوارع المدن العراقية قريبا. بعض العقلانية! لعل الصوت العربي الذي يقترب إلى ملامسة الموضوع بكثير من العقلانية في هذا الاحتدام العربي، هو صوت السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله في لبنان، عندما دعا الأسبوع الماضي في خطاب له إلى عقد (طائف عراقية) وان (يتواضع النظام) ويعترف بـ (المعارضة) وبالمناسبة التواضع ذاك مطلوب من أكثر من عاصمة عربية اليوم، ولكنه غير مأمول من النظام العراقي، فهو تواضع فات زمنه. من لا يريد أن يعرف فهو حر في أن يفعل ذلك، ومن يريد أن يعرف شيئا من القادم عليه أن يقرأ بإمعان تصريح وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية السيد كولن باول لقد قال ان حرب تحرير العراق هي الطريق (لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط) وهو قول يعني أن القائمين هنا في هذه المنطقة فشلوا، حتى الآن على الأقل، في تدبير حكم صالح وتقديم رشادة سياسية تبعدهم عن المخاطر وتنجي أوطانهم من التمزق، وهي ان أردنا أن نقرأ النتائج بوضوح، عدم الاستخفاف بالاخر في بلدانهم، فهذا الاستخفاف يقود إلى التجاهل وبدوره يقود إلى ردة الفعل باستخفاف مضاد. عدم الرشادة السياسية هذا يجعل من هذه المنطقة عرضة لتدخل الآخرين (لإعادة تشكليها) وهو إعادة تشكيل تلزم المتدخل بقضايا كثيرة، سياسية و اجتماعية وثقافية وتعليمية وربما غيرها من العناصر، ومن يقرأ من جديد كتاب بوب وودود الأخير (حرب بوش) يعرف على وجه اليقين، لا الافتراض، أن التغيير المطلوب قد نوقش في وزارة الحرب الأميركية واتخذت بحقه القرارات المناسبة، لقد نقل عن الرئيس بوش في ذلك الكتاب قوله(والذي أدعو كل مسئول عربي أن يضع بجانب وسادته نسخة من هذا الكتاب للقراءة) قال ان حربنا ليست ضد مجموعة من الناس، وليست ضد منظمة، ولا ضد دولة، انها حرب ضد (حالة عقلية). هذه الحالة العقلية التي يجب أن يتعرف عليها القادة العرب، فيقوموا بتصحيحها، فلا يضعوا شعوبهم بين ناريين، الهيمنة الخارجية والاستبداد المحلي. ـ كاتب كويتي