الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 «زرزورا» كانت اسماً تحفه الأساطير والأوهام، الأخيلة والطموحات بل والمطامع في بعض الأحيان «زرزورا» اسم ظل يعيش في وجدان جمهرة من المتخصصين والدارسين.. علماء الجغرافيا والتاريخ والآثار.. ودارسي الصحراء الغربية التي تفصل بين الشقيقتين مصر وليبيا.(وتعرف في بعض المعاجم بأنها الصحراء الليبية في بعض الاحيان). يمكن ان نطلق عليها وصف «أرض الاحلام» كانت هي الواحة أو الواحات المجهولة التي لم يكتشفها أحد ولا عرفها انسان ـ ولكن أحاطتها حكايات أقرب الى ألف ليلة..وكلها حكايات عن كنوز مخبوءة تحت الرمال..وعن ثروات تضنّ بها أسرار الصحراء..وتقبع منذ آلاف السنين في انتظار ان يكتشفها صاحب الحظ السعيد. لم يكن أحد يدري من أين جاء اسم «زرزورا» بايقاعه المفعم بالموسيقى وربما يحيل الاسم في اشتقاقه الى شدو الزرزور.. العصفور الرقيق الجميل الذي تعرف الاسماع زقزقة حنجرته مع ندى الصباح وربما مع حلول الشفق المفعم بالشجن في المغيب (يعرف الانجليز هذا الطائر في لغتهم باسم ستارلنغ). مع مطالع القرن العشرين نشطت حركة الكشف الجغرافي وضمت أفواجا من الرحالة والمغامرين الذين قرروا ان يطلعوا على أسرار صحراء بحور الرمال الشاسعة..والمجهولة والمخيفة التي تفصل مصر الى الغرب عن ليبيا الى الشرق في شمال القارة الأفريقية. مجلة «سعودي ـ أرامكو» وورلد في أحدث أعدادها الصادرة بالانجليزية تابعت حركة الكشف والارتياد الجغرافي والمعرفي أيضا لتلك المنطقة فنشرت دراسة مزودة بوثائق وصور تاريخية بقلم عالم أميركي اسمه روبرت بيرغ، حاول ان يمسك بخيوط الحكاية من بدايتها فأحال في دراسته الى كتاب صدر لمؤلف عربي مجهول في القرن الخامس عشر الميلادي بعنوان «كتاب الكنوز» (بالمناسبة أخطأ العالم الأميركي حين ترجمه الى قراء الانجليزية على انه «كتاب اللآلئ المخبوءة»). الكتاب المذكور يصف «زرزورا» بأنها مدينة ساحرة..مبانيها ناصعة البياض..تقع في قلب الصحراء وقد حفروا على بوابتها جسم طائر مغرد..وما عليك أيها الباحث عن كنزها المخبوء. سوى ان تمد يدك الى منقار الطائر وتأخذ المفتاح الذي يفضي بك الى داخل المدينة السحرية..وساعتها ترى من صنوف المتاع النفيس. والثراء الطائل ما لا عين رأت ولا تصوره وجدان بشر... الخ. في العصر الحديث كان أول من أتى على ذكر المدينة أو الموقع الصحراوي المجهول هو عالم المصريات الانجليزي جون جاردنر وكان ذلك عام 1835 (في أوج عصر محمد علي الكبير) وقد استند الى مرويات أسندها جاردنر الى بدو الصحراء الذين دارت حكاياتهم ـ وربما أساطيرهم ـ حول واحات ثرية بالنخيل ومحظوظة بينابيع المياه ومحاطة بآثار وأطلال تشهد بماض مجيد عاشته ونعمت به في عصور غابرة من تاريخ الانسان..يومها حددوا لموقعها البقعة الفاصلة بين واحة الفرافرة والواحات البحرية في صحراء مصر الغربية. توالت محاولات اكتشاف هذه المواقع التي لم يكن قد ارتادها بشر من قبل الى ان جاء دور مثقف وسياسي مصري يشهد له الكاتب الأميركي بفضل الريادة وسبق الكشف في هذا المضمار. هكذا يحدثنا بيرغ الأميركي عن المكتشف والرحالة المصري أحمد محمد حسنين.. (أحمد حسنين باشا كما يعرف في حوليات تاريخ مصر الحديث). في نشأته وتعليمه وتكوينه كان أحمد حسنين يجمع بين بيئة الأزهر واذ كان والده من علماء الجامعة الاسلامية العريقة وبين جامعة أكسفورد الانجليزية ـ العريقة بدورها وقد تخرج فيها الفتى أحمد حسنين ليعود الى القاهرة ويصبح من رجال الحاشية الملكية في عهد الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق..وفي تلك الفترة الممتدة من فاتح العشرينيات الى منتصف الأربعينيات كان أحمد حسنين رجل البلاط والقصر والديوان الملكي قاسما مشتركا في المخططات والمشاورات وأحيانا في المؤامرات والصراعات التي كانت تدور بين العرش وأدوات الحكم في مصر.. وفي عام 1946 لقي حسنين باشا مصرعه أمام سيارة يقودها ضابط انجليزي عند كوبري الجلاء الذي يجتاز النيل من القاهرة الى الجيزة. رحل الباشا الجنتلمان ربيب الأزهر وخريج اكسفورد وانطوت صفحة السياسي والتشريفاتي كي تظل مفتوحة الصفحة الأ بقى على الزمن ـ صفحة الرحالة.. المكتشف والمؤلف الذي ترك كتابا من مجلدين بعنوان «في صحراء ليبيا» وحفر اسمه في سجلات الكشوف الجغرافية العالمية المشهورة كثمرة من رحلته التي قام بها عام 1923 حيث جاب بادية الصحراء المترامية، شبه المجهولة التي تقع من ساحل البحر المتوسط شمالا الى دارفور في غرب السودان. الكاتب الأميركي بيرغ يصف حسنين باشا بأنه كان «رجلا استثنائيا وقام برحلة استثنائية» شكلت فتحا في مجال الكشف الجغرافي.. فكيف اذا عرفنا ان الرحالة المصري العربي كان يستخدم الأبل في رحلاته المحفوفة بالمخاطر ولم يكن يصحبه سوى حفنة من المعاونين والأدلاء.نقطة البداية عند حسنين كانت هي السلوم على حدود مصر وليبيا في أقصى الشمال..كان ذلك في عز الزمهرير من يناير عام 1923 ومنها اتبع أحمد حسنين طريق القوافل القديم عبر واحات سيوه وجغيوب وجالو ليصل الى واحة الكوفرة في أول أبريل حيث أمضى 18 يوما يراجع مسيرته ويلتقط أنفاسه ويستعد للخطوة الجسورة التالية: يقول الكاتب الأميركي بيرغ: ـ في 18 أبريل عام ,1923. وقف أحمد محمد حسنين..وسط رجاله.. قرأوا الفاتحة وصلوا ركعتين.. ثم قاد حسنين قافلته الصغيرة الى حيث..المجهول. واصلوا مسيرهم تحت درجة حرارة شديدة القيظ.. كانوا يخوضون تخوما لم تطأها من قبل اقدام انسان.. أغذوا السير وخاصة في ساعات الليل.. استغرقت رحلتهم 111 يوما منذ انطلاقتهم الأولى عند السلوم على شاطئ المتوسط..وجاءت اللحظة التي قبع فيها حسنين باشا فوق قمة كثيب من الرمال..وحيدا يتأمل استطاع ان يحدد مواقع كانت مجهولة منسية واكتشف واحة اركينو ثم واحة العوينات التي تضم أعلى جبل في صحراء مصر الغربية ومنها واصل السير الى حيث انتهت رحلته التاريخية عند الفاشر عاصمة اقليم دارفور عند غرب السودان وقطع فيها 3500 كيلو متر وخرج منها بخريطة هي الأدق من نوعها لكل هذه المواقع التي أضافها الى معرفة الانسانية..بجزء كان مجهولا من البسيطة التي تعيش على أديمها. اكتشف حسنين باشا هذا كله..ولكنه لم يعثر على كنوز «زرزورا» التي تحادثت بها الركبان وحكت عن جواهرها اساطير الأولين. لكن الكاتب الأميركي صاحب الدراسة التي أحلنا اليها له رأي آخر.. يقول روبرت بيرغ: إن الباحثين عن زرزورا سوف يجدون كنوزا بغير شك.. لكنها كنوز من المعرفة وليست من الذهب أو الياقوت..سوف يكتشفون قرائن تؤكد لهم ان أقواما سبقوا الى الحياة في تلك الأصقاع قبل ان يتغير مناخها وتقسو البيئة في أرجائها. ولقد نتساءل بعد هذا الكلام.. ترى هل انتهت بهذا قصة زرزورا..مدينة الاساطير والكنوز والأسرار في بوادي الصحراء الشمالية من وادي النيل؟ والجواب هو ان القصة لم تختم فصولا بل ولا ينبغي لها ان تفعل. قليل من الوهم..والحلم يصلح الكثير من الكآبة والروتين والجهامة التي باتت تكسو حياة الانسان.