الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 «للولايات المتحدة علاقة غريبة ومريبة بمجلس الأمن الدولي، لانها ليست مستعدة لتطبيق قرار لمجلس الأمن إلا إذا تلاءم مع موقفها..». هذه واحدة من أحدث القذائف الدعائية والدبلوماسية التي أخذت تطلقها القيادات الأوروبية على الإدارة الأميركية في سياق حرب باردة بين أوروبا وأميركا تتعاظم يومياً مع الانتقالات المتسارعة للأزمة العراقية. وقد تشعل الولايات المتحدة هجومها الحربي على العراق أو تتراجع عن عزمها شن الحرب العسكرية. ولكن ليس من المنظور ان تكون هناك نهاية قريبة للحرب الباردة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا، لأنها انعكاس لخلاف جذري بين الطرفين الغربيين حول رؤية مستقبل العالم. ومرة أخرى يتيح التاريخ فرصة نادرة لدور عربي لاستغلال هذا التناقض من منظور الأوضاع العربية، على غرار ما فعل عبدالناصر في تبني سياسة ذكية لاستثمار الحرب الباردة الأيديولوجية بين المعسكر الرأسمالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، الى ان رحل هذا الزعيم العربي الفذ عند بداية عقد السبعينيات. ان التعليق المشار إليه آنفا والذي ينعت واشنطن بالغرابة والريبة في تعاملها الانتقائي مع مجلس الأمن الدولي صادر عن رئيس البرلمان الألماني. وكان فولفغانغ يرد بذلك على «قذيفة» أميركية أطلقها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، سخر فيها من معارضة ألمانيا لمبدأ شن حرب على العراق بكلمات من قاموس قلة الأدب. هذا التقاذف الدعائي الدبلوماسي ليس عادياً. فحتى قبل شهور معدودة في اعقاب أحداث تفجيرات سبتمبر في الولايات المتحدة وما أفرزت من حرب غربية شاملة بزعامة أميركية ضد «الإرهاب العالمي»، لم يكن متصوراً على الإطلاق أن يقع شقاق أساسي حول الرؤية نحو العالم بين طرفي الأطلسي. لقد بدأ الاحتكاك على صعيد مجلس الأمن الدولي بشأن «برنامج النفط مقابل الغذاء». ورغم ان الخلاف بين الولايات المتحدة وفرنسا حول هذه المسألة كان يبدو وكأنه خلاف فني بشأن مدى ما يمكن ان يسمح به للعراق في معدل الانتاج النفطي مع مدى السماح بالتوسع في قائمة السلع التي يستوردها العراق، إلا أن القضية الخلافية الاساسية التي كان كل من الطرفين يحرص على عدم التعرض لها بصورة مباشرة وصريحة كانت مستقبل نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991: فبينما كان الهدف الفرنسي ـ ولايزال ـ هو إلغاء العقوبات نهائيا، كانت الولايات المتحدة ـ ولا تزال ـ تناضل من أجل ابقاء هذه العقوبات الى الأبد. ورويداً كان الاحتكاك يتصاعد ويشتد إلى ان بلغ نقطة الانفجار عندما كشفت الإدارة الأميركية عن نيتها شن حرب شاملة على العراق. ومنذ ذلك الحين رأينا كيف اتسع نطاق الخلاف واحتد بدخول ألمانيا ـ القوة الثانية في أوروبا بعد فرنسا ـ ساحة الصراع إلى جانب فرنسا. الآن وخلال الأسابيع القلائل الأخيرة يبدو ان الخلاف الأوروبي الأميركي يتحول إلى حال حرب باردة صريحة مرشحة بدورها للتصاعد على خلفية الحشد العسكري الأميركي الخطير وهي حرب تأخذ حتى الآن طابع تقاذف دبلوماسي وإعلامي. ولكن إذا شنت الولايات المتحدة الحرب الموعودة ـ دون تفويض من مجلس الأمن الدولي ـ فإن القطيعة بين أوروبا والولايات المتحدة سوف تدخل قطعا مرحلة خطيرة. هذا ما توحي به المناوشات المتبادلة خلال الأيام القلائل الأخيرة التي انطلقت إثر ذلك الخطاب المطول الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي كولن باول على مجلس الأمن الدولي بهدف تبرير شن الحرب على العراق. لقد كان المقصود بالخطاب عرض «أدلة دامغة» لاثبات ان العراق مازال، من ناحية يخفي اسلحة دمار شامل، وأن له من ناحية أخرى «صلة» بتنظيم «القاعدة». وعلى الفور صدرت عن كل من فرنسا وألمانيا بيانات قوية مفادها ببساطة ـ إذا جردناها من اللغة الدبلوماسية ـ إن إدارة بوش تكذب على العالم. فبينما وصف المسئولون الفرنسيون ادعاءات باول بشأن اسلحة الدمار الشامل بأنها مجرد «فرضيات»، وصفها المسئولون الألمان بأنها مجرد «مؤشرات». أما فيما يتعلق باتهام العراق بأنه متواطيء مع «القاعدة» فإن المسؤلين في جهاز مكافحة التجسس الفرنسي نفوا وجود أي علاقة من هذا القبيل. وقال مسؤلو الاستخبارات الألمانية ان معلومات باول «مضخمة لاغراض سياسية». ومع اتجاه العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة على طريق المواجهة والقطيعة، فإن مما يستغرب له غياب اي تحرك عربي لاستغلال هذا التطور الخطير.. الجديد تماما على الساحة الدولية. ألا يقتضي المنطق في هذه الحالة ان تشرع الدول العربية في اقامة علاقة تحالفية استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي في مواجهة اسرائيل؟