الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 يحلو للبعض أن يقرع الشعب الفلسطيني، لأن انتفاضته الباسلة، وعملياته الاستشهادية قد أضعفت «حزب العمل» الاسرائيلي لحساب خصمه الليكود ودفعت بالاخيرة الى سدة الحكم، بعد ان ضاعفت الانتخابات البرلمانية الاخيرة في اسرائيل عدد مقاعد «الليكود» في الكنيست الاسرائيلية الجديدة. معروف بأن الانتصار الجزئي الذي حققته القوات المصرية والسورية، في حرب أكتوبر 1973 قد تسبب في تراجع «العمل» ووصل «الليكود» لأول مرة في تاريخ اسرائيل، الى سدة الحكم. فهل كنا نهدي هزيمتنا لحزب العمل؟ وهل نسخر نضالنا وتضحياتنا لصالح بقاء «حزب العمل» الاسرائيلي في الحكم، وكأن بقاءه هدف استراتيجي لنا؟! في السياق نفسه، هل كنا نقمع انتفاضة شعبنا العربي الفلسطيني، التي اندلعت منذ ثمانية وعشرين شهرا، في وجه التسويف الاسرائيلي في مسألة السماح بقيام دولة فلسطينية فوق أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس، كما يقضي «اتفاق أوسلو» سيئ الصيت، خشية دعم أقصى اليمين الاسرائيلي، خذلان اليمين، المتمثل في «العمل»؟! وهل نترك حكومة «العمل» تتوسع في أراضينا، وتلتهمها فلا نخرجها؟! تفكير عقيم لا شك ان مثل هذا التفكير عقيم، ويعاني من وهم يسارية «العمل» وميله الزائد للسلام. فمن العبث تعليق الامل على «حزب العمل» الذي لطالما شبهه محللون سياسيون بأنه قفاز حريري يخفي القبضة الحديدية الاسرائيلية، وهو قفاز يسقط بمجئ أقصى اليمين الى رئاسة الوزارة الاسرائيلية. لا يقرأ الواهمون في يسارية «العمل» وسلاميته التاريخ القريب. فالعمل هو المسئول عن كل الحروب ضد العرب، عدا حرب لبنان (1982) و«العمل» من نظم المذابح، وقتل آلاف الاسرى العرب ورمزه الأكبر الحالي، شيمون بيريز من نظم مذبحة قانا في جنوب لبنان (ابريل 1996) وبعد ايام انشأ مركز بيريز للسلام، واشترك مثقفون عرب معه في مجلس ادارة هذا المركز التضليلي. نلخص من هذا كله ان التجمع الصهيوني في فلسطين المحتلة يعمد الى التخلي عن القفاز الحريري، بمجرد تأذي هذا التجمع، أو فزعه الامر الذي تكرر في الهزيمة الجزئية، سنة 1973، وبسبب العمليات الاستشهادية الفلسطينية الجسورة. في السياق نفسه نرى بأن مقرعي الشعب الفلسطينيين هم من يعول على «التناقضات في صفوف العدو الاسرائيلي». مغفلين أن هذه التناقضات هامشية أولا وليست بسبب قضيتنا الوطنية ثانيا، «فكل الأحزاب الاسرائيلية يتحول أعضاؤها على الحدود الى مجرد صهاينة» حسب كلام اسحق رابين الى أنور السادات قبل مايربو على الربع قرن. في السياق نفسه من السذاجة الارتكان الى التناقضات ـ أي تناقضات ـ في صفوف العدو، أي عدو، أو التواكل عليها. فما بالك والحركة الوطنية الفلسطينية غير مؤهلة الآن للاستفادة من هذه التناقضات، بسبب تبعثر البيت الفلسطيني، ووقوع القرار السياسي الفلسطيني أسير رجل واحد، يقع في أسر جيش الاحتلال الاسرائيلي. ناهيك عن افتقاد الحركة الوطنية الفلسطينية استراتيجية مقاومة طويلة الأمد ضمن غياب الجبهة الموحدة للفصائل، والقيادة الجماعية الائتلافية الوطنية، ولهذا كله قصة تروى. اذا كنا لا ننفي دور نصر أكتوبر والانتفاضة الفلسطينية والاستشهاد، فلا شك أن أيا منها ليس العامل الرئيسي، أو الوحيد. المحددات الرئيسية لم ينزل مجرم الحرب العتيد آرييل شارون على التجمع الصهيوني بالمظلة، كما لم ينبت شيطانيا وسط الزهور انه نبتة طبيعية في تربة استعمارية، عنصرية توسعية خصبة بامتياز. لذا فنجاحه في الانتخابات البرلمانية الاخيرة في اسرائيل منطقي، اذ يأتي استجابة لمزاج فاشي، انتشر وبائيا في الكيان الصهيوني، باطراد. تبادل هذا المزاج الفاشي التأثير مع المؤسسة العسكرية الصهيونية، التي يزيد وزنها في التجمع الصهيوني مع كل أزمة أمنية يتعرض لها الكيان الصهيوني (حرب أكتوبر، انتفاضة الاقصى والاستقلال). الى ذلك من شابه أباه فما ظلم حيث من المعروف أن الكيان الصهيوني مرآة صادقة للإدارة الامريكية، التي سقط القناع عن وجهها الفاشي، تماما، منذ قفز جورج دبليو بوش الى البيت الأبيض، قبل عامين، على رأس قبضة من رموز أقوى ثلاثة «لوبيات» هناك والمتمثلة في اللوبي الصهيوني، ولوبي السلاح، ولوبي النفط. جهد وتخبط لم يركن شارون الى هذه المحددات القوية، ويذهب لينام ليله الطويل، بل عهد شارون، مع حزبه (الليكود) الى اجتراح برنامج انتخابي ذكي، نجح في التركيز على أمن اسرائيل والاسرائيليين، في استجابة واضحة لاحتياجات الرأى العام الاسرائيلي الراهنة الملحة. في وقت غازل شارون توجهات الرأى العام في الكيان الصهيوني، الميال، بقوة الى حكومة اجماع صهيوني، في حين رفض رئيس «العمل» عميرام ميتسناع مثل هذه الحكومة، فصدم الشارع الاسرائيلي. فضلا عن انه بدا - بهذا الرفض - وكأنه سلم، سلفا، بهزيمة «العمل» وانتصار خصمه «الليكود» في هذه الانتخابات. ومادمنا انتقلنا الى «العمل»، ورئيسيه ميتسناع، فلا مفر من رصد ادائهما الانتخابي الاخير فعدا خطأ رفض حكومة الاجماع الصهيوني ثمة استبداد الخلافات الحادة بحزب العمل حتى ان رئيس بلدية ريشون ليتسون، عضو «العمل» على مدى أربعين عاما، مثير نيتسان، دعا ناخبي «العمل» الى التصويت لشارون، لأن مجموعة فردية تسلطت على «العمل» بزعامة ميتسناع، الذي أعلن مواقف حول الدين والدولة، ورفض الانضمام لحكومة اجماع صهيوني، ودعا الى الفصل من جانب واحد بين اسرائيل والفلسطينيين. وكلها أمور لم تناقش ابدا داخل «العمل» وانتهى نيتسان الى أن إقتراح ان يحل شيمون بيريز محل ميتسناع، على رأس قائمة «العمل» الانتخابية. الى عجز ميتسناع عن الظهور في صورة البديل المقنع، الذي يجتذب الوسط الصهيوني الواسع نسبيا. كما أخفق ميتسناع وحزبه في توظيف قضايا الفساد التي تفجرت، عشية الانتخابات الاخيرة، ضد شارون وولديه، جلعاد وعمري. فضلا عن أن مستناع و«العمل» طرحا الفصل بين اسرائيل والمناطق الفلسطينية، في شكل مهرب لاسرائيل، وأحد مظاهر ضعفها. نخلص من كل الاداء الانتخابي الاخير لميتسناع و«العمل»، ان هذا الاداء صب في طاحونة شارون و«الليكود» دون ان يدري «العمل» وميتسناع، أو يريدان! ولم تقع المعجزة التي تمناها بنيامين بن اليعازر، يوم الجمعة الماضي (24/1) وهو يصلي مع رئيسه ميتسناع، عند الحائط الغربي، الذي يسميه الاسرائيليون «حائط المبكي»! خصوصيات اسرائيلية لعل أكثر مالفت نظر المراقبين أن الرأى العام الاسرائيلي سرعان ماتسامح مع فضائح شارون الاخيرة حتى ان مجرم الحرب وحزبه الفاشي استعاد مكانتيه، بعد أقل من أسبوع واحد من تراجع شعبيته، عند اعلان الفضائح اياها. لعل الأنكى أن أنصار شارون حرصوا على حث الناخبين على اعطاء أصواتهم لشارون باعتباره كذوبا، يستحق الفوز في الانتخابات. بينما شن معارضو شارون هجوما دعائيا ضاريا ضده، لصدقه في الوعد باقامة الدولة الفلسطينية. وانحاز الناخب الاسرائيلي للكذوب، على نحو فاضح! العجيب، أيضا أن ثمة مصلحة واحدة، على الأقل، جمعت بين ميتسناع وشارون فكلاهما يحتاج الى «العمل» قويا. وبعد، فقد نفت الناشطة الفلسطينية المعروفة، د.حنان عشراوي، مانشر من أن ثمة استطلاع للرأى أكد بأن 48 في المائة من ابناء الشعب الفلسطيني لا يرون فرقا بين «الليكود» و«العمل» وحسب رأي عشراوي فإن ثمة فروق ملموسة بين هذين الحزبين الصهيونيين. بينما لا يكاد الفرق بينهما يختلف، في قليل أو كثير، عن الفرق بين الكوليرا والطاعون. صحيح ان كليهما قاتل، لكن أعراض كل منهما تختلف عن أعراض الآخر، كما أن العلاج المعروف للمصاب بأيهما يختلف، تماما عن العلاج الذي يتعاطاه المصاب بالوباء الآخر. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة