الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 رغم محاولاته طوال العامين الماضيين أن يظهر وكأنه حمامة السلام وسط صقور الحرب داخل الادارة الاميركية حتى أن كثيرا من المراقبين كانوا يتوقعون أن يرحل من موقعه قبل نهاية العام الماضى إلا أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذى قضى حياته فى العمل العسكرى حتى وصل إلى أرفع منصب عسكرى وهو رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الاميركي ، أظهر حقيقته حينما أصبح الآن الناطق باسم صقور الحرب داخل البيت الأبيض. فالرجل الذى غيّر بزته العسكرية لبعض الوقت تحول أمام مجلس الأمن يوم الأربعاء الماضى إلى مدعى عسكري رغم ضعف حججه وضحالة براهينه ليؤكد على أن الصورة التى حاولت بعض وسائل الأعلام أو بعض المخدوعين ترويجها عن شخصيته غير صحيحة ، فالرجل فى النهاية أحد أفراد الطاقم الذى تهيمن عليه فكرة الحرب والهيمنة والامبراطورية الاميركية التى لا تقهر، وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط من جديد بما يخدم المصالح الاميركية كما صرح الخميس الماضى فى أعقاب مرافعته أو بالأحرى ادعاءاته التى ألقاها أمام مجلس الأمن ، حيث كرس مبدءا جديدا فى الصراعات الدولية هو إمكانية الاعتماد على معلومات دعائية حسب وصف الروائى البريطانى جون لوكار لتبرير شن حرب وتدمير دول لها وجودها الرسمى فى المنظمة الدولية. وكولن باول الذى شغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة فى حرب الخليج الثانية تعود أصوله إلى جاميكا حيث كان جده من جهة والده يهوديا كما أنه ترعرع فى منطقة ذات كثافة يهودية عالية فى نيويورك وهو يتحدث اللغة اليديشية التى يتحدثها يهود نيويورك ورغم أنه مثّل دور حمامة السلام خلال العامين الماضيين إلا أن الجميع يتذكر أنه حينما تولى منصبه تعهد بتشديد العقوبات على العراق وقد فعل. ورغم أن بعض المحللين يشيرون إلى أن باول يحمل الموقف الذى أظهره الأربعاء الماضى فى مجلس الأمن من البداية ، وأن ما ظهر به خلال العامين الماضيين كان شكلا من أشكال توزيع الأدوار داخل الادارة ، إلا أن آخرين يشيرون إلى أن صقور الادارة أحرجوه وجعلوه يدفع ثمن بقائه بعدما أضعفوا موقفه ودوره فى وزارة الخارجية طيلة فترة وجوده فيها حتى أنهم همشوه كثيرا وقامت كونداليزا رايس بمهام عديدة كان من المفترض أن يقوم هو بها كوزير للخارجية لهذا دفعوه أن يكون هو رأس الحربة والمدعى الرئيسى فى موضوع كان يحاول أن يظهر بأنه معارض له ، وأنه إذا أراد البقاء فعليه أن «يبتلع» كل تصريحاته وادعاءاته السابقة بإعطاء الجانب السلمى الفرصة الأولى ، وقد فعل الرجل ما طلب منه رغم أنه فى رأي كثير من المراقبين كان هزيلا فى طرحه وادعاءاته. لكنها الولايات المتحدة التى وصلت إلى مرحلة من الغطرسة لم تتوقف فيها عن سماع الآخرين فحسب وإنما ترفض ان يسمع صوت غير صوتها حتى لو كان يحتوى على استغفال و ادعاءات وأكاذيب مفضوحة ، ورغم أن الكاتب الاميركي ستيفين وايزمان كتب فى 26 يناير الماضى نقلا عن ديبلوماسيين يعملون مع باول أن رؤيته غير واضحة فيما يتعلق بالحرب المرتقبة التى يمكن أن تخوضها الولايات المتحدة ضد العراق إلا أن باول ظهر بغير ذلك بعد أيام ، بل إنه أكد على أن الشرق الأوسط كله سوف تتم إعادة رسمه بما يتوافق مع المصالح الاميركية. ورغم أن باول قد اشار فى مذكراته التى نشرها قبل سنوات وترجمت للعربية ، وكذلك التصريحات التى كانت تنقل عنه عام 1991 بأنه كان ضد دخول بغداد أثناء حرب الخليج الثانية وإسقاط نظام الحكم فيها إلا أن الرجل الذى كان يرتدي البزة العسكرية آنذاك يتبنى الآن وهو يقود الديبلوماسية الاميركية خطة إسقاط نظام بغداد ودخولها وإقامة نظام عميل فيها يحقق للولايات المتحدة مصالحها. إن الذى تؤكده تلك التحولات فى أداء باول أنه لايوجد مايسمى بالصقور والحمائم داخل إدارة أميركية متجانسة يعرف كل منهم فيها دوره ، وأن الاعتماد على مبدأ الصقور والحمائم وهم يؤكده الصراع العربى الاسرائيلى. ومادام السيد باول قد ارتدى سترته العسكرية فإنه لامجال لأى تكهنات الآن حول الحرب.. لأن الحرب بالفعل أصبحت على الأبواب. ـ كاتب واعلامي مصري