الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 أبشِّركم بعودة الحلم وأنني حلمت، وسبب البشرى أنني، وقد لا تعلمون، انقطعت عني الأحلام وانقطعت عنها بما في ذلك الكوابيس منذ زمن يبيس ليس بالقصير ولا اليسير، إلى أن قيَّض الله لي شفاء مما ألمّ بي فعاودتني عافية الأحلام في بلاد الشام على عتبة عيد الأضحى من هذا العام، إذ خراف إبراهيم في فلسطين ارتفعت من الأرض إلى السماء ليحل محلها أطفال وشباب فلسطينيون يُضحي بهم من يدعون أنهم أبناء إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم بريء من نسل يقتل الإنسان ويتعدى شرع الله وحقوقه وتعاليمه. فرأيت فيما يرى النائم في المنام أنني أذبح فرخ حمام وأحني به «حِنْتَ» باب بيتي وأنا في ثياب الإحرام، أنوي الحج ولا حج. وقدماي مربوطتان إلى صخرة، والناس يغدون إلى عرفة ويعودون منها وانا لا أستطيع إخفاء فرحتي بغدوهم ورواحهم، وبعودتهم من بعد مغفوراً لهم إن شاء الله، ولا أستطيع أن أدفع حسرتي ودمعي وتخشّب جسدي بتحجر موقفي وقدمي وثباتي في المكان من دون حج وطواف وسعي، بانتظار أن يُفك القيد ويحل سلام على روحي يطلقني بين الناس سوياً. ورأيتني في مساحة واسعة من الأرض أمام رجل يشبه رعاة البقر الأميركيين بلباس العسكريين المبرقعين، يطيّر طيارة من ورق فتنقلب بقدرة الحلم إلى الطائرة الموصوفة بالشبح محملة بالموت، ويدفع في وجهي صاروخاً ودبابة ومدفعاً ثم يزجرني كي أفرح لأنه جاء لينقذني من نفسي ويزرع في قلبي الفرح، ويغفر لي ما تقدم وما تأخر من ذنبي، إن أنا صرت وليه وعبده ونصيره وطليعة نذيره وشؤم تدبيره. قلت أيها السيد الهمام سائق الموت الزؤام على متن الغمام ما شأنك وملتي وعيدي ومسجدي ونشيدي وطارفي وتليدي، حتى تحول كل ذلك إلى قديد وحديد ووعيد وقحة وصديد؟ فقال والبسمة الساخرة تزيده شقوة وشقرة: أفما علمت يا هذا أنني الحاكم الحر المحرر العادل الذي يجتث الظلم والحاكم الظالم باجتثاث شعبه وتدمير قطره وحرثه ونسله وجعله يبقى سيداً على الخراب والدمار يشقى بالعيش ويرفل بالخزي والعار؟!. قلت وقد سال بصري في أحافير وجهي من الدهشة والخوف: وما شأن المظلوم تزيده ظلماً والحاكم تزيده عمراً فتنصف الظالم بطول البقاء ومتعة النظر إلى المزيد من الشقاء، وتجزي المظلوم الموت بعد العثرة والحسرة؟ قال هذا شأني ولله في الخلق شئون.. قلت وقد ازددت اندلاقاً فوق رمال نفسي ووطني من الدهشة والرعب: أفأصبحت سيدا! قال هو تكليف قديم لي بأن أكون سيد الأرض وهو على الأرض، ذاك حق لي أستعمله متى شئت وأنّى شئت، وهو نداء التاريخ لي لأعلم الناس العدل والحضارة. ومن يطول مقامه في موقع الإله ويبتعد عن رؤيته قروناً وهو يحتل مكانه ويقوم بعمله، يجوز له أن يتزيا بزيه وينقلب عليه مع ذكر الإشارة أو الرمز من وقت لآخر حتى لا يضيق بعض الحساد أو ذوي الفكر الذي لا يجاوز مدى الأجساد، من الأنداد والأضداد. العيد والوعيد كظمت غيظي وسكت، وشرقت بدمعي فسعلت، ونظرت في نفق أحدثه في جبل بلمح البصر وأخذ يكوم فيه الناس، فأثارتني الواقعة وأنطقني الخوف فصرخت: ما تفعل بخلق الله البؤساء؟ لماذا تدفنهم في هذا النفق أحياء؟ قال وقد ازداد شقرة وشقوة ونشوة: أفما يدفنونهم جماعات بعد الموت فلم لا أدفنهم جماعات وهم أحياء وقد ضاقوا بالحياة وارتفعت شكواهم من الظلم حتى وصلت مجلس الأمم من وراء البحار؟ أتظن أنني أصبر على شكوى المظلومين ولا أسمع من يناشدني التدخل لوضع حد للبؤس والشقاء في أرضي التي يسكنها بنو البشر؟؟ إنني هنا يا هذا قوي وشديد وذو مرة حديد عنيد. ها نحن أولاء نزجي لكم العيد والوعيد مع زحف النار بأسراب الحديد من غواصات وحاملات طائرات، وآلاف القناطير المقنطرة من القنابل والصواريخ، وعديد مئات آلاف الجنود، نترك أوطاننا ونزحف إلى أوطانكم، نختم أعيادنا بالرقص ونفتتح أعيادكم بالنقص والقنص والعقص، فمالكم تنكرون ولا تشكرون؟. عيد جديد لبوسه من نار وحديد نزجيه إليكم من بعيد.. من وراء البحار يا أهل الصحار والليل والخيل والقرطاس والقلم، وأهل عنترة ولبيد، يا من تحيون في عتمة بيد علاها الرمل والظلم، عيد سريع سعيد مريع نزجيه إليكم .. نفَسُه قصير وبصره حسير، يتنفس نصَباً وينفث لهباً، وفيه زفير طير مطير يلفه الزمهرير، وتقذفه عاصفة هوجاء من ضفة شتاء إلى ضفة شقاء. جئناكم بالعيد ولعب الأطفال، أجرها مزدلف وإيقاعها مؤتلف ومدلولها مختلف، لنسمع بها زغاريد الأمهات الثاكلات وهن يَزْفُنَّ على جثث أبنائهن، وهو مما تألفون وتعرفون جيداً حين يموت فيكم ميت تسمونه شهيداً فتزفونه وتدفنونه وأنتم تزغردون، تسمون الميت شهيداً وتسجلون يومه ذاك فيكم عيداً.. وها قد جئناكم اليوم بما تطلبون في عيد سعيد لبوسه نار وحديد ووقعه عليكم شديد .. فيكم خوف حبيس من جوع وموت، وها قد جئناكم بالخوف والموت، فانظروا ما أنتم فاعلون. محنة النوم قلت لقومي وأنا في محنة الحلم تشق شفراتُه رئتي وحلقي ومشفري ولا أستطيع إبانة بصوت بل بخفق قلب ورفة جفن ورعشة شفة: زتيقنوا أرجوكم من أراجيح الأطفال وأسرتهم حتى لا تكون محشوة بالبارود، ومن الحدائق الخضراء وأشجار السرو والورود الحمراء حتى لا تكون مخازن للقنابل، ومن طائرات الورق التي يلعب بها الصبيان في الشوارع والأزقة والحارات حتى لا يختبئ فيها راعي البقر السيد بوش ومعه مدفعه الرشاش وأنشوطته المعهودة وبعض سموم الأورانج وقنبلة نووية. عيد الأضحى هذا العام حزين يا قوم، يضيق بالفرقة وأذنابها، والمحنة وأوصابها، وعدة الحرب وأسبابها، وجندها المصفرين حقداً على العرب والمسلمين. وفي ثنايا ثيابه المصبغات يشير إلى موالاة بعض قومنا لعدونا، ويقول: كيف ندفع الشر وغوائله عنا ونحن شعب واحد في بيت واحد في مساحة نفترض أنها أرض العرب كلهم، ينقض بنيانها فعل العرب كلهم؟ ! يا قوم تعالوا نلعب لعبة أميركية قاسية لكي نفهم الداهية.. نذبح الحمامة أمام فراخها، وننتف ريشها على مهل، ثم نطلقها من فوق السطح العالي ونقول لها كما يقول الأميركيون لنا: طيري بجناحين قويين فقد وهبناك الحرية وحفظنا لك حقوقاً تامة بعد الذبح. تعالوا نلعب لعبة الأخوة العربية في بيت واحد: يأكل الأقوى والأفجر منا رغيف أخيه، ويخفي تحت الثوب خنجراً، ويمد يده للغريب، ويقول بملء الصوت للعالم من حوله: إنه يرحم أخاه ولكن أخوه لا يدرك الحكمة في أفعاله، فهو يصنع بحكمته الفذة ما لم تستطعه الأوائل!؟. تعالوا نفرح بعيد الأضحى هذا العام.. فلا ذبائح ولا أرغفة ساخنة مضمخة بالزيت مشبعة بالسكر فيها بركة حبة البركة، ولا قروش العيدية للصغار.. لأن ضياعنا خطف كل ذلك البسيط منا، ولأن هناك هدايا السيد بوش تقدم لنا ولأطفالنا بدلاً من ذلك الذي كنا وكان لنا وكان منا ؟؟ أتعرفون من هو السيد بوش يا أطفال العرب!؟ إنه بابا نويل من نوع آخر .. نوع فريد .. بابا نويل الذي يعرفه الأطفال ويقرؤون عنه يطل عليهم في عيد رأس السنة الميلادية بلحية بيضاء وثياب ملونة فيها بعض لون الثلج ونقائه، وعلى ظهره كيس يضع فيه هداياه، وهو يقطع مسافات في الليل البارد ليفرح الأطفال في الصباح بهدية يضعها تحت الوسادة في أثناء استغراقهم في الحلم اللذيذ. أما السيد بوش فرجل أميركي من تكساس، يلبس اللباس العسكري المبرقع، ويحمل رشاشاً ومدفعاً، ويضع مسدساً على كل جنب من جانبيه، ويضع قناعاً ملوناً مخيفاً بأنف معقوف وحاجب مدفوف، يزور بيوت أطفال العرب والمسلمين في عيد الأضحى ويضع تحت وسائدهم مغلفات فيها تهم وافتراءات وشتائم وتهديدات، ويوزع عليهم هدايا ملغومة.. يوزع رعباً، وأرغفة مسمومة، وقنابل موقوتة، ومنشورات كتب عليه: «من ليس معي فهو ضدي»، و«من يقف ضدي له الموت». إنه يسوق قطعانه في الحقول الخضراء بسرعة مدمرة، وينتزع الأطفال النيام من الأحلام بقرع طبول الحرب، ويثير الفزع والرعب والإرهاب في النفوس. أيها الناس ادخلوا في الخوف كافة، إن لم تدخلوا في الإيمان كافة، فالسيد الأميركي يزوركم بطائراته وقنابله يوم العيد ويريد أن يضحي بكم من أجل سلامتكم ومصالحه. الهروب من المعافاة استيقظت من نومي منزعجاً .. شربت ماء وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم وقلت : كابوس أو شبه كابوس.. بدأت معافاتي من قلة الأحلام بكابوس .. لعل ذلك بداية الشفاء، سوف أعود إلى النوم لعل الحلم الجميل يأتي ويعوضني عما بدأت به معافاتي من ندرة الأحلام بالكوابيس. نمت وحلمت..ورأيت فيما يرى النائم: أنني طفل سعيد، يمشي في فلوات العيد يبحث عن ابتسامة ورفاق وهدايا وألعاب .. وفي زاوية من شارع ضيق وجدت كيساً صغيراً ملفوف العنق بشريط أحمر يغري بالانجذاب إليه توقع ما قد يكون فيه من خير، فقلت في نفسي: هذه فرصتي وفرحتي وهديتي يوم العيد الكبير.. أمسكت الكيس وسحبت الشريط الأحمر بسرعة ولهفة فانتثر جوف الكيس أمامي: قنابل ورصاصات وأقاويل ومنشورات وأشكالاً من كل حجم ولون لم تلبث أن تشكلت فريقاً من الدمى المكفهرة الوجوه بأقنعة مصنوعة الجمال المبتذل، ترقص وتنشد وهي تطلق الرصاص علي وعلى رفاقي الأطفال ومن يمشون في شارع العيد وتوزع أوراقاً ملونة وتصيح: نحن نحرر العالم لا تخافوا ولا تحزنوا أبداً، نحن أصدقاء لكم، جئناكم من وراء البحار لنحرركم من الديكتاتورية والحصار والجوع والخوف.. نحرركم من الحياة وكوابيسها بالموت الذي يفضي بكم إلى الجنة، لأنكم ستكونون بنظر ذويكم شهداء ولا يهم أن تكونوا بنظرنا بضاعة وأعداء.. فما تهمكم وجهة نظرنا أياً كانت مادمتم بنظر أهلكم شهداء مثواكم الجنة .. هذا هو فرح نبعثه في نفوسكم بالعيد وخلاص من نوع فريد نقدمه لكم أيضاً في العيد فاشكرونا أيها الأطفال.. اشكرونا أيها العرب .. اشكروا اميركا. نعرف أنكم من بلدان فيها أكثر من طاغية يقتل شعبه، وحتى نحرركم من طغيانهم جئناكم بموت أرحم وأسرع وأوسع فافرحوا واشكرونا، واعرفوا جيداً أننا من يصنع الطغاة وينصبهم ويزيلهم ويعلمهم الطغيان .. فنحن السادة وأصحاب نداء التاريخ..فاذكروا واشكروا أميركا. صحوت بعد هذا الكابوس ولم أعد أطيق النوم حتى لا تعاودني المعافاة فأرى المزيد من الأحلام.. الكوابيس وصورة إبليس. السلام عليكم، وكل عام وانتم بخير.. وابشروا فأميركا المستبدة ليست قدراً ولن تدوم إلى الأبد. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب