الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 اليوم تقف الجموع الهائلة العدد بعرفة تستمطر رحمات السماء، وتستوهب العطايا من الخالق الصمد. اليوم يخشع القلب القاسي، وتذرف العين العصية وتردد الشفاه كلمات التوبة والندم. اليوم يفتح باب من الرحمة الواسعة لا يفتح الا في مثل هذا اليوم. واليوم تغشى السكينة ذلك المكان الطاهر، وتغمر القلوب أرقى مشاعر العبودية وهي تجدد العهد بينها وبين رب البيت العتيق!! اليوم عرفة حيث تتذكر امة المليار مسلم ان لها ربا قادراً ـ لو شاء ـ على ان يوقف حمامات الدماء التي روت ثرى المدينة المقدسة. واليوم ترتفع اكف الملايين تسأل الله ان يحمي العراق مما يراد به بعد ان بلغ العجز العربي والاسلامي منتهاه، وبلغ الهوان حد استباحة الارض والسماء، وانتشرت في الآفاق رائحة الموت في كل شبر وزاوية لتعيدنا من جديد ليس الى نقطة الصفر فحسب بل لتقلب المعادلات على نحو يسر العدو ويدمي قلب الصديق. ورغم جلال الموقف، وروعة المشاعر وصدقها الا ان الاستحضار السريع لمشاكلنا الكبرى ينبغي ألا يكون شيئاً عابراً يمر مرّ الخيال ثم يتلاشى تاركاً وراءه الغفلة والانشغال عن استدراك الاخطاء وسد الفجوات الهائلة في هذا الكيان الذي اثخنته الجراح. ان استشعار خطورة ما يراد بنا هو الخطوة الاولى وليست النهائية في سلسلة البراهين والادلة المطلوب تقديمها لاثبات صدق الانتماء الى هذه الامة. ابرز الدلائل على الولاء لهذه الامة هو ان نكف في اللحظة الراهنة عن تبادل الاتهامات حول المتسبب في حدوث هذه الانتكاسة الحضارية المروعة، وهذا الاستلاب المكشوف للموارد والمقدرات وان نركز على شيء واحد فقط: هو تحديد آليات عمل فعالة تستوعب كافة افراد هذه الامة لتحملهم على البدء الفوري في انجاز اهداف هذه المرحلة الخطرة. فالدار حين تشب فيها النار يتقلص الوقت، وتنتفي الفرص لمواصلة هواية الثرثرة التي اصبحت احدى خصائص الشخصية الاسلامية المعاصرة، ويصبح المخرج الوحيد للسيطرة على النيران هو ان يسارع الجميع في سكب الماء على النار قبل ان تأتي على الاخضر واليابس. بل لو ظهر مغفل من بين افراد العائلة، ونادى بالحساب قبل اخماد النار فسيكون الاصغاء اليه عبثاً وهدراً للفرصة الاخيرة المتاحة للحد من الخسائر في الارواح والممتلكات. فاذا ما اتفقنا على اهمية عامل الزمن في تحديد نهاية ذلك الحريق، ووجوب توظيفه لمصلحة اصحاب البيت، فمن العبث اذن ان نجادل، على ان التعامل مع قضايانا المصيرية ينبغي ان يكون بنفس درجة التحفز والاستعداد. او ان نتلكأ في الاعتراف على ان الابطاء في تحمل المسئوليات يعبر عن هزيمة داخلية وشلل فكري يمهد لمزيد من الخسائر والازمات، ويكرس حالة الاستسلام والخضوع التام لمشيئة القوى الاستعمارية. والتجربة الانسانية تؤكد ان البناء من اجل الاستمرار يتحقق من خلال المعرفة بطرق التغيير، خاصة وان يوم عرفة يحمل في ذاكرته الخبرة الاسلامية في مجال تغيير الواقع. ومن المؤكد ان الملايين اليوم تستعيد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة التي قدم من خلالها ملخصا كاملا لدستور هذه الامة بعد ان نزل عليه جبريل تاليا قوله تعالى: «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا». لقد اكتمل المشهد الفريد في تلك اللحظة المتدفقة من عمر الزمن، وجمع ما بين جلال الموقف، وعمق المشاعر واعلان الله عن اكتمال رسالة الاسلام. من البديهي ان نسأل إذن: أوليست هذه الذكريات العظيمة كافية لانعاش الذاكرة الخجولة التي فقدت الشجاعة في الافصاح عن انتمائها، وتوارت تحت شعارات خاوية سلبت منها ارادة التغيير وفرغتها من اي محتوى عظيم الفعل والاثر؟! الا تفرض هذه الذكريات العطرة على المسلم ان يراجع علاقته بالهوية من جديد، وان يستصحب نية التصالح مع هذا المنهج الخالد أو لم يأن الاوان بعد للاقتناع بان العبادة في الاسلام ليست طقوساً شكلية مؤقتة بزمان او مكان، وانما تستوعب في صورتها الطبيعية حركة المسلم في كل وقت وحين ليكون مؤهلاً لتحمل تبعاته والتزاماته تجاه مجتمعه وامته؟ من اجل ان تتضاعف انجازاتنا، ونتفوق على واقعنا الصعب علينا ان نقيس المسافة الفاصلة ما بين جوهر الاسلام وبين الصورة التي عليها المسلمون. حينها سنكتشف اننا ابتعدنا اكثر مما يجب ، وعلينا ان نصحح المسير.