الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 في هذه الاجواء الروحانية المقدسة التي تعيشها الامة العربية، كان من الطبيعي ان نغترف كلمتنا من معين ديننا الحنيف الذي لا يرد ظامئاً لمعرفة ذات قيمة فكرية وذهنية مميزة. ومن هنا استميح القاريء عذراً بأن لا اتطرق الى الجوانب التي وجب تذكيره بها في المناسبات الدينية الاسلامية مثل فلسفة توحيد ملابس الاحرام اثناء الطواف في ايام الحج، او تعويد المسلم على كبح جماح شهواته في صيام رمضان، او تدبر المعاني التي تكتنف رحلة الاسراء والمعراج للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، او ما يحيط السنة الهجرية من تاريخ له هالته الكبيرة في بدايات انشاء الدولة الاسلامية.. وهي كلها معان من الضرورة بمكان ابرازها من وقت لآخر، خاصة في حومة الحياة التي تكاد ان تنتزع كل القيم النبيلة من بين ضلوعنا وشغاف قلوبنا. ومع ذلك نزعم بأننا لن نأتي بجديد اذا لم نشر الى هذه الدروس والعظات السابقة.. فجديدنا يكمن فقط في إعادة تسليط الضوء على كتابات اسلامية ذكية تجسد عقولاً معمقة فكرياً وتنظيرياً، تعاطت مع مسلمات وثوابت الدين الاسلامي بحذق وحنكة معرفية غير مسبوقة.. وتسليط الضوء عليها مرة اخرى يقوده هدفان، الاول انه ليس في مقدور كل قاريء الحصول على الكتب التي تضم بين دفتيها هذه الطروحات الجميلة، وبالتالي فان اخراجها من بطون كتبها الى جريدة يومية أمل يحدونا في هذه اللحظة، والهدف الثاني هو ان يعرف المسلم ان ما فرض عليه من واجب ديني ما لا يتأطر فقط في طاعة الله وابتغاء مرضاته، بل ان الامر يطال البعد الدنيوي ايضاً.. كيف؟ فالصلاة مثلا كتب وقيل فيها الكثير من ترغيب وترهيب على السواء وهي فرض لا مندوحة عنه، لكن ما يلفت النظر ان كثيرين ينظرون الى الصلاة كواجب ديني هدفه طاعة الله والطمع في جنته، وان الحكمة منها هي التواصل معه سبحانه وتعالى.. من هنا كان لزاماً علينا ان نعرض على القاريء العزيز بعضاً مما كتب في هذا الشأن بشكل مثير يصل لدرجة الدهشة. ففي كتاب «كيمياء السعادة» للمفكر حسين احمد امين تناول الكاتب جانبا من الصلاة في منتهى الروعة والجمال حين اشار الى ان طريقة ختام الصلاة تعبر بوضوح عن سماحة الاسلام قائلاً: «هل حدث وتأمل مسلم في حكمة اختتام الصلاة بالالتفات الى الجالسين الى يمينه قائلاً: «السلام عليكم ورحمة الله»، ثم الالتفات الى الجالسين الى يساره قائلاً: «السلام عليكم ورحمة الله» ثم مصافحة جاريه، مع الدعاء للكافة بالاجتماع في الحرم».. هذه الالتفاتة المبتكرة تحيلنا الى قضية اخرى، وهي ان الكتّاب ممن يعنيهم شأن الاسلام والمسلمين بمقدورهم ضخ عقلية المسلم بفلسفة حركة الجسد اثناء اداء الواجبات الدينية فبدلا من ان يقول الواحد منا: «هكذا أمرنا الله، عليه ان يعي حكمة خالق الكون في كل شاردة وواردة تخص حركة مخلوقه التعبدية. وان العلاقة بين جسد الانسان وواجباته الدينية، ثرية وغنية، ولها امتدادات معرفية مهمة. ايضاً نود ان نسلط الضوء على تجل كتابي من نوع آخر، وفي السياق نفسه المنشود، بعد ان عرفنا ان الدفاع عن ديننا لا يتم بعبارات شفاهية صراخية، بل مزيد من التأمل الى يقيننا، قبل يقين «الآخر»، يضعنا على عتبات الرضا عن انفسنا كمسلمين. التجلي الآخر الذي نقصده فهو لدى المفكر علي عزت بيجوفيتش في كتابه الفذ «الاسلام بين الشرق والغرب» الذي اطلق عليه بعض المفكرين العرب «كتاب القرن» فقد ازاح الرجل الستار عن معنى الصلاة بطريقة مختلفة حين قال: «ان الوضوء والحركات في الصلاة يشكلان الجانب الفعلي فيها، ووجود هذا الجانب لا يجعل الصلاة قاصرة على جانبها الروحي المجرد، وانما يضيف اليها النظام والصحة معاً، فهي ليست تأملاً صوفياً فحسب بل نشاط عملي ايضاً. وافاض بيجوفيتش مضيفاً: «يوجد بالتأكيد شيء من روح العسكرية «يقصد الالتزام الصارم» في الوضوء فجراً بالماء البارد، وفي صفوف الصلاة المتلاحمة «بمعنى ان المسلم قوي، ليس فقط بروحه المتصلة وجدانياً ببارئها، بل برأس ماله الرمزي في حركاته الايمانية». هذا ما جاد به شعورنا في هذه الايام المباركة.. لكن ما يهمنا هو ان يعرف المسلم ان قوة الاسلام تتأتى من فهم وادراك المسلمين للمعاني الحركية ومغزاها الايماني في كل فروضهم الدينية. وكل عام وانتم بخير.