الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 عَيْناكِ غَابَتَا نخيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ، أَوْ شُرْفَتانِ راحَ يَنْأى عَنْهُما القَمَرْ عَيْناكِ حِينَ تَبْسُمانِ تُورِقُ الكُرُومْ وَتَرْقُصُ الأَضْواءُ ، كالأَقْمَارِ في نَهَرْ يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْناً سَاعَةَ السَّحَرْ.. إنه سحر العيون.. ذاك الذي بدأ به الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب رائعته الخالدة «أنشودة المطر».. فأي سحر لهذه العيون حرّك على مدى تاريخ الشعر والأدب قلوب الشعراء والأدباء، وألهب قرائحهم ليخرجوا لنا بهذه الروائع الخالدة، تبدأ من العيون وتنتهي عند العيون؟! وأي سرٍّ دفين ذاك الذي حوته الجفون والمآقي والأحداق لتشعل قلوب العاشقين وتثير لواعج نفوسهم؟! ألم تكن لحظة باهرة تلك التي أوقدت جذوة الحب والشعر عند شاعرنا العباسي علي بن الجهم ليجعل منها مطلعاً لقصيدة غدت معلماً من معالم الشعر العربي حتى لم يعد أحد إلاّ ويحفظ مطلعها الشهير: عيونُ المها بين الرُّصافةِ والجسرِ جَلَبْنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري أعدنَ لي الشوقَ القديمَ ولم أَكُنْبَلَوتُ ، ولكنْ زِدْنَ جَمْراً على جَمْرِ سَلِمْنَ وأَسْلَمْنَ القلوبَ كأنَّما تُشَكُّ بأَطرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ فَقُلْنَ لنا نحنُ الأَهِلَّةَ إنَّما نضيءُ لِمَنْ يَسْري إلينا ولا نَقْري خليليَّ ما أَحْلى الهوى وأَمَرَّهُ وأعرفني بالحُلْوِ منهُ وبالمُرِّ ومن علي بن الجهم إلى جرير.. ذاك الذي ترك لنا أشهر بيتين في وصف العيون وما تفعل بنا.. فمن ذا الذي لا يحفظ قوله: إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ قَتَلْنَنا ثمَّ لم يُحْيينَ قَتْلانا يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حراكَ بِهِ وهُنَّ أضعفُ خَلْقِ اللّهِ إنْسَانا هي العيون إذن تفرض نفسها مرة أخرى على قصيدة قصد بها جرير الهجاء لتجعلها واحدة من أروع قصائد غزله وأرقها وألطفها. ولكن من قال ان العيون أضعف خلق الله انسانا؟ أليست هي السلاح الذي امتشقته بطلة قصيدة أبي حيَّة النميري لترمي فتاها بسهم من سهامها حينما ألقت قناعها؟.. لنستمع إلى الحكاية على لسان الشاعر: رَمَتْهُ فتاةٌ من ربيعةِ عامرٍ نَؤُوْمُ الضُّحى في مأْتمٍ أَيِّ مأْتمِ فجاء كخُوطِ البانِ لا مُتتابِعٍ ولكنْ بسيما ذي وقارٍ وميْسمِ فقُلْن لها سِرّاً : فَدَيْناكِ لا يَرُحْ صحيحاً وإنْ لم تَقْتليهِ فأَلْممي فأَلقَتْ قِناعاً دونه الشمس واتَّقَتْ بأَحسنِ موصولَيْنِ كفٍّ ومِعْصمِ وهي نفسها التي تسوِّي بين خليفة وشاعر من عامة الناس فيما تمارس على العاشقين سحرها وتفرض سطوتها.. أوليست هي التي صرعت الخليفة الأموي يزيد بن معاوية فقال عنها: نَالَتْ عَلَى يَدِهَا مَا لَمْ تَنَلْهُ يَدِي نَقْشاً عَلَى مِعْصَمٍ أَوْهَتْ بِهِ جَلَدِي كَأنَّهُ طَرْقُ نَمْلٍ فِي أنَامِلِهَا أَوْ رَوْضَةٌ رَصَّعَتْهَا السُّحْبُ بالبَرَدِ وَقَوْسُ حَاجِبِهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَنَبْلُ مُقْلَتِهَا تَرْمِي بِهِ كَبِدِي وكما رمت تلك المقلة كبد الخليفة فأصابت منها مقتلاً من مقاتل العشق عادت تلك العيون نفسها لتمطر دموعاً شبهها الشاعر باللؤلؤ بعد ان عرفت ما أصابه من بؤس جرّاء فعلتها.. وعاد يزيد يرسم لنا صورة فاتنته وهي تبكيه في بيت من أجمل ما قيل في الوصف، حيث صور الدمع لؤلؤاً، والعين نرجساً، والخد ورداً، والشفتين عنّاباً، والأسنان بَرَداً.. لنستمع الى كل هذه الأوصاف وقد اجتمعت في بيت واحد: وَاسْتَرْجَعَتْ سَألَتْ عَنِّي فَقِيْلَ لَهَا مَا فِيهِ مِنْ رَمَقٍ ، دَقَّتْ يَداً بِيَدِ وَأَمْطَرَتْ لُؤلُؤاً منْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ وَرْداً وَعَضَّتْ عَلَى العنَّابِ بِالبَرَدِ وبأمر العيون عشق شاعرنا الأمير عبدالله الفيصل الهوى بعد زمان كان فيه الخلي.. فما الذي حدث للشاعر الأمير وكيف آل به الحال؟ لنستمع اليه يروي قصته: من أجلِ عينيكِ عَشِقْتُ الهوى بَعْدَ زمانٍ كنتُ فيه الخلي وأصْبَحَتْ عينيَ بَعْدَ الكرى تقولُ للتسهيدِ : لا تَرْحَلِ يا فاتناً لولاهُ ما هزَّني وَجْدٌ ولا طَعْمُ الهوى طابَ لي هذا فؤادي فامْتَلِكْ أمْرَهُ واظْلِمْهُ إنْ أَحْبَبْتَ .. أو فاعْدِلِ وبين العين والعاشق رهان لا ينتهي.. ترى من الذي يكسبه؟ لنستمع إلى شاعر آخر من أولئك الذين خسروا معاركهم ورهاناتهم في ساحات العيون.. انه الشاعر حسن عبداللّه القرشي يقول: عَيْنَاكِ يا لَوْنَ الرَّحيقِ صَفَا وشَعْشَعَ في الدِّنَانْ يا تَمتَماتِ النَّرجسِ الوَسْنَانِ يا أَلَقَ الجُمَانْ تَعِدَانِ بالوَصْلِ الشَّهيِّ ويَمْطُلُ الوَعْدَ الزَّمَانْ كَسِبَا رِهَانَ القَلْبِ لكنِّي خَسِرْتُ أَنا الرِّهانْ! وتبقى العيون نقطة ضعف العاشقين، لاسيما في لحظات الوداع.. ها هو شاعرنا حسين أحمد النجمي يقف أمام محبوبته وقت الرحيل فتلتقي العيون ليكشف زيف الرؤى في المقلتين ما حاولا كتمانه.. ويكون الهروب من نظرات العيون.. ولكن إلى أين؟ عيناكِ آخِرُ ومْضَتيْنِ من السَّنَا بعدَ الغُرُوبْ رَفَّتْ على رِمْشَيْهما لُجَجُ الجمالِ من الطِّيوبْ فانسابَ سِحْرُ الشِّعْرِ من طرفيهما يَسْبي القُلُوبْ فهربتُ من نَظَراتِهِنَّ وكان نحوهما الهُرُوبْ ومهما كان الذي تفعله بنا العيون.. سحراً كان أم أسراً أم خدراً لذيذاً.. فسنظل نردد مع شاعر الامارات الكبير حمد بوشهاب: عيناكِ علمتاني الحبَّ والأَدَبا والشِّعْرَ والنَّثْرَ والتَّاريخَ والكُتُبا لولاهُما ما عَرَفْنَا للوفا سُبُلاً ولا عَرَفْنَا على الأَيَّامِ ما وَجَبَا في هذه الدنيا عيون لا نملك إلاّ أن نستجيب لندائها.. في هذه الدنيا عيون لا نستطيع مقاومة سحرها.. في هذه الدنيا عيون نشتاق إليها كثيراً إذا هي غابت.. ونشتاق إليها أكثر إن هي حضرت.. في هذه الدنيا عيون نتوق إلى أن نقيم فيها.. وتأبى هي إلا أن تقيم في أحلامنا.. في هذه الدنيا عيون هي عيوننا في هذه الدنيا