الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 لم يعد متاحا للدول العربية مواصلة التهرب من مواجهة الولايات المتحدة بشأن المسألة العراقية بعد ان كشفت ادارة بوش رسميا عن اجندتها الخفية. لزمن طويل وجدت الدول العربية في قرارات الامم المتحدة عن قضية اسلحة الدمار الشامل ملاذا مريحا لكي تتفادى مواجهة واشنطن بتركيز الانتباه على «عدم تعاون» العراق مع المفتشين الدوليين لكن هذا التهرب لن يبقى متاحا بعد ان أدلى وزير الخارجية الاميركية كولن باول يوم الجمعة ببيان صريح امام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التابع للكونغرس الاميركي، اوضح فيه ان التفتيش عن اسلحة دمار شامل في العراق ليس سوى قضية ثانوية جانبية ومن ثم تحدث باول للمرة الاولى عن الهدف الحقيقي من غزو العراق. الهدف من شن حرب على العراق والاطاحة بنظامه الحاكم هو كما قال وزير الخارجية الاميركية «اعادة تخطيط المنطقة جذريا بطريقة ايجابية قوية بما يعزز مصالح الولايات المتحدة». ان هذا القول الفصل الذي حرصت ادارة بوش ان يظل طي الكتمان لمدى سنين منذ ان تبلورت فكرة اقتحام العراق واحتلاله، يؤكد كل الاستنتاجات التي نشرت اعلاميا بأقلام معلقين غربيين من بينهم روبرت فيسك الكاتب الصحفي وجون لوكار الروائي الشهير فقد اجمع هؤلاء المعلقون على ان مسألة اسلحة الدمار الشامل ليست سوى ذريعة تسعى من ورائها ادارة بوش لاستغلال قرارات مجلس الامن الدولي الصادرة في هذا الشأن وآخرها القرار 1441 للحصول على شرعية دولية لشن الحرب ضد العراق. والهدف الخفي، يقول هؤلاء المعلقون، هو هدف ازدواجي احد عنصريه السيطرة على صناعة النفط العراقية، والثاني تهيئة مناخ سياسي جديد في عالم عربي مهزوم لفرض اعتراف عربي شامل باسرائيل. الآن تؤكد الادارة الاميركية على لسان وزير خارجيتها وفي بيان يلقيه على اعضاء من اعلى هيئة تشريعية في الولايات المتحدة ان الضجة العالمية التي ظلت تثيرها طوال الشهور الاخيرة بشأن اسلحة الدمار الشامل ليست في الحقيقة سوى غطاء دخاني لحجب الهدف الحقيقي الازدواجي. هل كانت الحكومات العربية طوال هذه الشهور على علم بالهدف الحقيقي للادارة الاميركية من وراء خطة غزو العراق؟ من المستحيل ان نفترض انها لم تكن تعلم في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات، فالارجح ان الحكومات العربية فضلت تصديق اسطورة اسلحة الدمار الشامل لكي تتحاشى الدخول في صدام سياسي مع الولايات المتحدة ليست راغبة فيه، هذا ما يفسر لنا لماذا تخلو البيانات العربية تماما من اي اشارة انتقادية الى نوايا الحرب الاميركية بل يتركز الانتقاد العربي على العراق الى درجة الاساءة رغم انه الطرف الضعيف الموعود بعدوان شامل. ويبقى سؤال ثان: هل تخدم الدول العربية مصالحها الوطنية بتأييد الاجندة الاميركية تجاه العراق او على الاقل السكوت عنها؟ ربما لا تأبه بعض الدول العربية كثيرا باكتساب اسرائيل قوة استراتيجية اضافية بعد هزيمة العراق وقيام نظام حكم عميل لواشنطن في بغداد بل ان هذه الدول قد تكون متلهفة الى الاعتراف بالدولة اليهودية الآن حتى قبل الحرب المحتملة على العراق. ولكن الا تدرك الدول العربية ان سيطرة اميركية كاملة على صناعة النفط العراقية تنطوي على تهديد لصناعة النفط العربية عامة؟ ان بوسع الولايات المتحدة ان تتعمد في المستقبل احداث انهيار سعري في تجارة النفط العالمية عن طريق التحكم في معدلات الانتاج النفطي العراقي بما سوف ينعكس سلبا على الاقتصادات الوطنية العربية. ثم ان دمج اسرائيل في النسيج العربي في عهد «عراق ما بعد صدام» لا ينبغي ان يؤخذ باستخفاف فلن تكتف اسرائيل ـ ومن ورائها الدعم الاميركي الكامل ـ بالتطبيع الكامل مع العالم العربي. ان هناك برنامجا اسرائيليا اميركيا جاهزا للمستقبل المرئي للتعامل مع العالم العربي، فكرته الاساسية ان تكون اسرائيل القوة العظمى الاقليمية في الشرق الاوسط لا على الصعيد الاستراتيجي العسكري فحسب بل ايضا على الاصعدة الاقتصادية والثقافية والامنية، فعلى الصعيد الاقتصادي سوف يتحول العالم العربي الى سوق كبيرة للمنتجات والخدمات الاسرائيلية تحت اسم «منطقة حرة» وثقافيا سوف يشهد «العهد الشرق اوسطى الجديد» اعادة رسم المناهج الدراسية من منظور يهودي وأمنيا سوف يصبح جهاز «الموساد» القوة المركزية لتغيير الحكومات واعادة تشكيلها من منظور الاستراتيجيات الصهيونية العالمية. هذا هو «الدمار الشامل» المؤكد الذي لن يكون غزو العراق سوى مجرد مقدمة دموية له وهذا هو معنى قول كولن باول بأن الهدف من شن الحرب على العراق هو «اعادة تشكيل المنطقة جذريا» ـ لاحظ كلمة «جذريا» ـ بما يؤدي الى «تعزيز مصالح الولايات المتحدة» وبالطبع لم يشأ لاسباب واضحة ان يضيف «.. مصالح اسرائيل».