الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 على ما يبدو أن ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من ممارسات قمعية من قبل حكومة اليمين الإسرائيلي بقيادة شارون، ليست معزولة عن السياق العام الذي تعيشه المنطقة العربية برمتها، بل أكثر من ذلك أن شارون وتحالفه بات يدرك أن ما يجري من تهديدات بضرب العراق وما سيترتب عليها من وقائع سياسية جديدة بعد ذلك، لن تكون إسرائيل بمنأى عن تلك النتائج، على الرغم من التحالف العضوي القائم بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية. بمعنى أدق، أن إسرائيل بصرف النظر عن الحكومة القائمة فيها، يمينية دينية متطرفة أو يسارية، حسب التعبير الدارج، باتت تدرك أنه ليس باستطاعة الولايات المتحدة الاستمرار بإدارة الظهر للمشكلة الفلسطينية - الإسرائيلية من جهة، والمشكلة العربية - الإسرائيلية من جهة أخرى، وأن النتائج التي ستفضي إليها الحرب المقبلة ضد العراق تتطلب من الولايات المتحدة البحث الحثيث لإيجاد حلول وسط إقليمية، لغاية في نفس اميركا هذه المرة وليس سواها، والتي تتلخص بإعادة رسم خارطة جيوسياسية جديدة للمنطقة، بما يتناسب ومخططاتها المرسومة حتى عام 2020م، حسب ما أعربت عنه من خلال دوائرها السياسية المتنفذة، من خلال وأد حدود سايكس - بيكو باعتبارها تركة ورثتها من بريطانيا وفرنسا بعد تبؤها قيادة العالم، أو إذا شئت قيادة التحالف الغربي، والتي كانت حينها، سايكس - بيكو تتناسب والأهداف الاميركية في غمار ما يسمى مرحلة الحرب الباردة. هذه الحقائق دفعت بقيادات إسرائيل بعامة وشارون بخاصة، لخطوات تسابقية مع الزمن، بهدف خلق حقائق جغرافية على الأرض، ظناً ان هذه الخطوات ستخفف الآثار السلبية، أو الإتاوة التي ستدفعها إسرائيل بعد الحملة ضد العراق، لجهة قيام دولة فلسطينية، والذي أصبح الرأي العام الاميركي والأوروبي مهيئاً لقبولها، بصرف النظر أيضاً عن طبيعة ومساحة هذه الدولة وخصوصياتها. بالمقابل يحاول شارون هذه الأيام، من ذات المنطق التسريع لدفع المخطط الهيكلي لوزارة الاستيطان بهدف الشروع في بناء 1600وحدة سكنية شمال القدس؛ والذي يعتبر هذا البناء خارج حدود بلدية القدس بهدف إيجاد امتداد إقليمي بين مستوطنتي « النبي يعقوب» و « جبعات بنيامين» ويمر المخطط الذي يتم إعداده على عجل بمراحل التنظيم ومن المقرر أن تصادق عليه الإدارة المدنية في الضفة الغربية. ويقع المخطط على أراضي فلسطينية تبلغ مساحتها حوالي 300 دونم على حد قول صحيفة « كول هعير». وقال المخططون: «إن البناء بين «النبي يعقوب» و « آدم» من جهة أخرى، سيؤدي إلى الفصل بين أحياء فلسطينية في القدس الشرقية وسيؤدي بالوقت ذاته، إلى القضاء على إمكانية توسع الرام وحزما الفلسطينيتين». أضف إلى ذلك، أنه رغم الخلاف بين مشروع متسناع ومشروع شارون للانتخابات الأخيرة في طريقة الفصل الإجباري، إلا أن شارون بقي مستمراً في بناء السور الواقي، أو بالأحرى بسور الفصل الإجباري، ومن اللافت أن حوالي ثلاثين شركة تقوم في استكمال عملية بناء السور في ظل حكومة شارون، وهذا إن دل على شيء إنما يدل عن مدى القناعة عند شارون وغيره، بأن فاتورة قادمة لا بد من دفعها، رغم التنظيرات التي نسمعها من هنا وهناك. وقد يكون من اللافت أيضاً، أن العجلة في استكمال السور هو بحد ذاته محاولة لاخذ أراض من جنين باتجاه طولكرم بهدف سد ما يسمى بالثغرة الأمنية الرخوة بالنسبة للإسرائيليين، التي حاول باراك في استبدال أراضي مقابل أراض أخرى بالنسبة لهذه المنطقة بالذات في محادثات كامب ديفيد الفلسطينية - الإسرائيلية أيام حكومة كلينتون في العام 2000 . هذا السلوك إن دل على شيء إنما يدل على وعي للنتائج التي ستفضي عنها المتغيرات المقبلة على مستوى المنطقة بشكل عام، ولو كان الأمر غير ذلك ما الذي يدعو شارون للعمل على خلق مناطق عازلة على طول حدود قطاع غزة المتاخم لأراضي عام 1948كما فعلت إسرائيل في جنوب لبنان ؟ وما الذي يدعوه أيضاً لتثبيت الحدود على خط جنين طولكرم قلقيلية، رغم أنه يرفضها علناً؟ وبصرف النظر عن القنابل الدخانية التي تحاول بعض الصحف الإسرائيلية إطلاقها، لجهة السيناريوهات المتعلقة بالهجوم الاميركي على العراق، والتي تتحدث عن شراكة إسرائيلية رمزية بحيث تكون هذه الشراكة ضد النظام الهاشمي في الأردن، وفي هذه الحالة سيتسنى لإسرائيل تطبيق ما يسمى بالخيار الأردني بطرد آلاف الفلسطينيين إلى ما وراء نهر الأردن، إلا أن كل هذه السيناريوهات تبقى مجرد لعبة خلط للأوراق ليس إلا، بهدف تخفيف مخاوف الإسرائيليين من هجوم صاروخي عراقي قد يكون أشد من الهجوم الصاروخي الذي شنه ضد إسرائيل في عام 1991. بالمقابل علينا أن نعي، أنه لا يمكن للولايات المتحدة في ظل هواجس الترتيبات التي تسعى لرسمها بعد نظام صدام، بأن تسمح بفوضى إضافية في دول الطوق، وهذا إذا ما حصل فسيضيع على الولايات المتحدة كل ما سعت إلى تحقيقه، ويصبح المثل القائل «كأنك يا أبو زيد ما غزيت» وتصبح كل القضية مجرد عبث لا طائل منه على الإطلاق، حتى إسرائيل ذاتها لن تسلم من ألسنة اللهب التي تسعى لإشعالها. وهنا بعيداً عن التفسيرات البوليسية، يمكننا أن نأخذ من تحذيرات وزير الخارجية الاميركية كولن باول، لإسرائيل بضرورة قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً مؤشراً على جدية الولايات المتحدة في ترتيب المنطقة خاصة بعد أن أصبحت قواتها تنعم بقواعد ثابتة على الأرض العربية اليابسة، وأن الحدود الوطنية أصبحت لا تعني الكثير بالنسبة لاميركا، وهذا الأمر ينساق على إسرائيل ذاتها. يبقى السؤال الأهم، ما الفائدة الذي سيجنيها شارون من فرض الحقائق الجغرافية على الأرض، طالما أن الدولة الفلسطينية أصبحت حقيقية في ذهنية صانع السياسة الاميركي؟ ـ كاتب فلسطيني