الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 يقال إن الاسكندر سأل حكماء أهل بابل: إيهما أبلغ عندكم: الشجاعة أو العدل؟ فأجابوه بالقول: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة. قبل 24 عاماً وفي مثل هذه الأيام تهاوت قلعة متقدمة للاستعمار مدججة بأقوى أنواع الأسلحة ومسلحة بأفتك وسائل القمع والقهر والاستبداد على يد رجل ثمانيني لم يكن يمتلك من حطام الدنيا وأسلحتها سوى كلمة الحق وصدور شعبه العارية إلا من قضيتهم العادلة. وقبل عام واحد فقط من الحادي عشر من فبراير 1979م لم يكن أحد يتصور حتى أقرب الناس الى الموسوي الخميني ان بامكان «المعارضة» الإيرانية ان تسقط تلك القلعة العتيدة التي كانت قد تحولت في عرف المعادلة الدولية والإقليمية آنذاك بمثابة الشرطي المكلف بمهمة حفظ الأمن والاستقرار الاقليميين بل أن «صاحب» تلك القلعة اي محمد رضا شاه كان قد صور للعالم ولنفسه واحيانا لبعض معارضيه بأنه بات «جزيرة الاستقرار» التي ينبغي ليس فقط للقوى الاقليمية أن تحتذي بها بل انها «القوة العالمية الخامسة» التي كان يجب على نادي الدول الكبرى ان تضمها إليه! كنت يومها في بيروت ليس فقط اتابع عن كثب واهتمام ما يجري داخل تلك «القلعة» وما يتعلق بها من الخارج بل واستقبل على امتداد الأعوام التي سبقت ذلك السقوط المدوي أنواع «المعارضين» الإيرانيين، ولم اسمع يوماً منهم ومنهم من كان في أعلى سلم المعارضة وقيادتها ان بالإمكان وفي المنظور القريب اسقاط تلك القلعة الحديدية الصارمة القاضمة لكل ما ومن حولها. يجمع أهل الخبرة والاختصاص بالسياسة وعلم الحرب النفسية والاعلام والدعاية والترويج بأن ما فعله ذلك الرجل الثمانيني الهاديء والواعد في مسلكيته ونظراته خلال عام ونيف سواء انطلاقا من بيته المتواضع في النجف الاشرف في العراق أو من على سجادته العبادية التي لم يكن يمتلك غيرها في نوفل شاتو باريس فيما بعد، كان اشبه بالمعجزة. فالشعوب هي الشعوب والسلطات هي السلطات وقوى الاستعمار واعتدتها ورموزها هي هي عبر العصور والأزمان، وما يتغير في المعادلات هو: التقدير السليم لموقف اللحظة التاريخية والتوظيف الصحيح لتراكم الكفاح الشعبي. لقد استطاع ذلك الرجل الثمانيني الحكيم ان يوظف سلاح الكلمة الى اقصى حد ممكن ومن خلال تقدير سليم لموقف اللحظة التاريخية التي يعيشها ليحول قضية شعبه العادلة وموقفه المبدئي من عتاة السلطة الظالمة والمستبدة إلى قضية تدخل كل بيت إيراني أياً كان انتماؤه بل والى كل بيت في العالم أياً كان انتماؤه ايضاً كاسراً بذلك حلقات العزلة القاهرة والمستبدة التي كانت تحيط بالقضية من كل جانب. باختصار شديد، لقد استطاع مالك سجادة الصلاة لا غير ان يوظف التراكم النضالي ـ من 1906 على الاقل حيث عام الثورة الدستورية، ان لم يكن منذ دخول الإسلام الى إيران على حسب بعض المحللين ـ ليجعل من اعضاء فرقة «الخالدون» الخاصة بالحماية الخاصة بالشاه يقولون له: «إن الذي حلل علينا زوجاتنا يحرم علينا اليوم استمرار التعاون معك». وان يجعل من حماة القلعة من الخارج ان يبحثوا عن كل الوسائل الممكنة للاتصال باطراف القادم الجديد بعد ان تحول كالنهر الجارف. ثمة من يتحدث عن عشرات العوالم الأخرى المساعدة التي دخلت على الخط وساعدت في نجاح مهمة ذلك الرجل، ولا احد ينكر ذلك من المحللين. لكن المهم في القضية هو اكتشاف العامل الاساسي والمحوري الذي ساهم بقوة في تشخيص وتجديد مهمة اللحظة التاريخية أولا ومن ثم استطاع وبنجاح ان يوظف كل العوامل في انجاح تلك المهمة والوصول بها إلى بر الأمان. لم يغب عن بال الخميني يوماً بأن معضلة بلاده ايران انما سببها غربة ايران عن الاسلام وابتلاؤها بطاغية متجبر لا يسمع لنبض الشارع واحتياجاته الاساسية. ولم يغب عن بال الخميني يوماً بأن علة العلل في ذلك الطاغية بأنه تبع الاجنبي الطامع بثروات بلاده ولا يعرف بأن هذا الاجنبي المستعمر لا يريد الخير حتى لذلك الشاه مهما قدم من خدمات، ولم يغب عن بال الخميني يوماً بأن «جزيرة الاستقرار» هذه لا يمكن لها الدوام مهما طال عمرها وهي معادية لجيرانها ولا تهتم بهمومهم واهتماماتهم وفي مقدمتها المرض السرطاني المحيط وهو وجود الكيان الصهيوني الغاصب. لذلك فقد ركز الخميني مراكماً نضالات شعبه منذ انتفاضة 15 خرداد عام 1963م التي سبق له ان قادها على هذا المثلث في الرؤية واضعاً نصب عينيه مهمة واحدة «ان يذهب الشاه بشرط ان يأتي الشعب» وليس اي شيء آخر مطلقاً. ولم يقبل المساومة على هذا الهدف في كل الظروف والأحوال. ومثل هذا التشخيص كان يعني ألا يفتح معركة جانبية مع اي أحد كان لا في الداخل ولا في الخارج إلا في حدود مثلث الرؤية الآنف الذكر. واختياره للوسائل جاء ايضا على قاعدة الرؤية الآنفة الذكر. لم يعاد مرجعاً دينياً ولا طائفة او طيفاً أو حزباً او طبقة او ضابطاً او شرطياً او نائباً او وزيراً ناهيك عن الاختلاف مع أحد من مناصريه أو حوارييه أو اخوانه في الفكر والعقيدة والنضال، وظل يطرح افكاره بطريقة جعلت سواء الناس يقرأون الاسلام ويرون فيه كل تفاصيل الحياة، وعندما حانت ساعة الحسم التي اختارها أو اختارها له القدر المحكوم بالسنن الكونية وقد عمل بها، وطلب من الناس النزول الى الشارع ليسدوا كل نوافذ القلعة على الطاغية اعتبر الناس بأنهم انما ينزلون الى الشارع دفاعاً عن حياتهم وليس عن شيء مجرد ونظري اسمه الاسلام مهما كان جميلاً وعظيماً في مبادئه. وكما عمل في الداخل عمل أو تعامل مع الخارج فلم يعاد اي حكومة محلية أو قوة عالمية ثانوية ولم يشتت قواه في الدخول في محاور اقليمية ولم يقبل تدخلات خارجية في تحديد مصير شعبه نصيحة او مساعدة او دعماً او اسناداً او استدعاد كما انه لم يحمل العالم مسئولية استمرار اوضاع بلاده اسيرة الطغيان والاستبداد أو يصب جام غضبه على المنظمات والاحزاب والقوى التحررية والثورية في العالم لانها لم تتفهم عدالة قضيته وقضية شعبه او يعزو الانتكاسات التي ظلت تتعرض لها قضيته طوال فترة النضال الى عدم وقوف القوى الاقليمية والدولية معه! ولم يخطيء اتجاه البوصلة الخارجية يوماً بأنها كانت تشير دوماً الى القدس المحتلة والنظام العنصري المقيت ألجاثم على صدر شعب الجبارين حتى وان كان من بينهم من كان يفاوض الشاه في طهران طالباً المساعدة والدعم مقابل علاقات! أو من كان يتهمه ويتهم حركته بالرجعية السوداء أو اليمين العفن! بل وعملاء المخابرات المركزية الأميركية! والذين لفظهم الشعب الفلسطينيي فيما بعد أو هداهم الله الى اكتشاف حقيقة الصديق من العدو. وحده مبدأ الاعتماد على الشعب وسواد العامة من الناس بشكل اخص بعد الله والثقة المطلقة به في كل الأحوال وصدق النية في التوكل عليه هو الذي جعل ذلك الثمانيني الفقير إلى الله ينتصر على «صاحب» القلعة المدججة بكل الاسلحة إلا سلاح الايمان ويصرعه في ميدان السياسة والحياة. ووحدها آلية تشخيص وتحديد المهمة المركزية الواحدة في اللحظة التاريخية الواحدة كفيلة بتحقيق الانجازات الكبرى للقادة والشعوب. القادة والشعوب التي تقرأ جيداً طبيعة السنن الكونية التي وضعها الله في حركة الظواهر وتحولاتها ولا تبديل لها، فالاعمال في هذه الدنيا انما تجد محصولها وثمارها بالنتائج التي تفرزها وليس بالنوايا التي يحملها أصحابها. فليس مهماً ولن يغفر لك أحد في هذه الدنيا ان تأتي بحكم الأجنبي وسيطرته وهيمنته على بلادك ومقدرات شعبك بحجة ان نواياك كانت سليمة أو طاهرة حاكماً كنت أو معارضة لا فرق. وليست شجاعة ان نخوض المعارك الخاسرة بحماس ولا هي كذلك ان نخوضها بحماس مضاد قبل ان يكون تقديرنا للموقف سليماً ويتفق مع اتجاه البوصلة السياسية للامة وتقديرات سواد العامة من الناس، وقد قالت العرب يوماً! الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني