الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 مهما كانت الأسباب التي أدت إلى نقل القمة العربية من البحرين إلى القاهرة، وبعيدا عما أثير حول أسباب النقل التي تم الاعلان عنها في نفس يوم لقاء ملك البحرين بالرئيس الأميركي في واشنطن، وما قيل في تفسير ذلك عن ضغوط أميركية نفتها البحرين التي اعلنت اعتزازها بالعلاقات الودية مع أميركا والتي تمتد الى مئة عام سابقة، ومع أخذنا في الاعتبار الموقف المتفجر الذي تواجهه الأمة وهي تنتظر عدوانا أميركيا على العراق وتعاني من حرب إبادة إسرائيلية في فلسطين.. فإن ماينبغي الوقوف عنده هو أن تنعقد القمة بالفعل في أقرب وقت، وأن تعكس تغييرا حقيقيا ينقل العرب من حالة الغياب أو «الغيبوبة» التي يعيشونها الى حالة الفعل الحقيقي في مواجهة الأزمة التي تكاد تتحول الى كارثة يدفع العرب الجزء الأكبر من ثمنها الباهظ. لم يكن ممكنا أن يستمر هذا الوضع المأساوي الذي يكتفي فيه النظام العربي بالفرجة بينما مصير المنطقة كلها على كف عفريت (أميركي هذه المرة) يهدد باكتساح العراق ويعد باسقاط أنظمة عربية كانت حتى الآن في خانة الحلفاء، ويفتح الباب لفرض خارطة جديدة للمنطقة تزول فيها دول، وتنقسم أخرى الى شظايا، ويعد بحالة من «النعيم» الأميركي تسود فيها الثقافة الأميركية ويدخل فيها العرب مدارس محو الأمية الديمقراطية التي ستفتتحها الإدارة الأميركية، وتتغير فيها مناهج التعليم وفقا لتعليمات واشنطن، ويوضع فيها البترول العربي ـ انتاجا واحتياطيا ـ في الحفظ والصون.. الأميركيين بطبيعة الحال! لم يكن ممكنا أن يستمر هذا الموات الذي يسيطر على الحركة العربية في مواجهة الاخطار الداهمة، بينما العالم كله يتحرك.. أوروبا تدافع عن مصالحها، وروسيا تحاول ضمان نصيبها وتواجدها في المنطقة، وافريقيا يرتفع صوتها على لسان الزعيم «مانديلا» منددة بالعدوان ورافضة للحرب، وعواصم العالم تتحول الى ساحات للتعبير عن رأى عام عالمي غاضب على الغطرسة الأميركية، ومدن أميركا نفسها تشهد تظاهرات الملايين الذين يخشون من فيتنام جديدة تفتح الجرح القديم وتنهي حلم الامبراطورية الأعظم قبل الآوان. لم يكن ممكنا أن يحدث كل ذلك، بينما العالم العربي في حالة غياب تام، الشارع السياسي يلفه الصمت الا من تشنجات عصبية هنا وهناك ـ بسبب القمع أو اليأس أو كليهما معا. والحكومات بين نار الضغوط الأميركية ونار المشاعر الشعبية المكبوتة.. تكتفي بالبيانات الإنشائية وتنتقل تدريجيا كلما اقترب موعد الحرب المتوقعة من موقف التأكيد على رفض الحرب والدعاء الى الله و«التوسل» الى أميركا لتجنيب العالم ويلات هذه الخطوة المجنونة، الى موقف آخر تطالب فيه العراق أن ينفذ التزاماته تجاه الأمم المتحدة (وهو مايقوم به بالفعل!) ودون أن تطلب من أميركا أن توقف عدوانها غير المبرر وأن تلتزم هي وربيبتها اسرائيل بالشرعية الدولية، وهو مالا تفعله ولا تنوي فعله الدولة الأعظم والعصابة الصهيونية النازية! ولا نريد أن نستبق الأحداث، فالقمة العربية لم يتقرر موعدها بعد. ولا شك أن الأيام المقبلة سوف تشهد ضغوطا أميركية لإجهاضها، ومحاولات من اطراف عربية للتسويف في موعدها على «أمل» أن تكون الحركة الى الحرب أسرع فيصبح انعقاد القمة بلا معنى، وربما تفكر أطراف من الآن في الغياب عن القمة أو تخفيض التمثيل، أو الحضور بهدف إفشال القمة ومنعها من اتخاذ أي خطوة ايجابية. ومع ذلك فدعونا ننظر الى الجانب الآخر من الصورة، ودعونا نأمل في أن إرادة الحياة (مجرد الحياة) سوف تنتصر على كل عوامل اليأس ومظاهر العجز وحركة الانسحاب من التاريخ، ودعونا نتصور أن أطراف النظام العربي سوف تدرك في النهاية مايدركه العالم أجمع، وسوف نرى عمق الهوة التي تساق اليها وحجم المخاطر التي تهددها جميعا، وسوف تنصرف في النهاية على هذا الأساس. الكل يدرك الآن أو ينبغي أن يدرك ـ أن العراق لن تكون إلا المحطة الأولى للحرب الأميركية، وبعدها سوف تنفتح كل الأبواب أمام تغييرات دراماتيكية لن يكون أحد بعيد عنها. والعالم العربي ـ بلا شك ـ يحتاج للتغيير، ولكنه ليس هذا التغيير الأميركي المقترح والذي يبدأ من نقطة أساسية وهي أن العالم العربي ليس عالما واحدا وأن حكاية «عروبته» هي جزء من تاريخ ينبغي أن يندثر! التغيير الحقيقي الذي نحتاج اليه هو الذي ينبع من حاجاتنا نحن وينطلق من واقعنا نحن ويستهدف مصلحتنا ويؤكد على ثوابت الأمة وشرعية نضالها من أجل استعادة حقوقها المغتصبة وتحرير أرضها المحتلة وتحقيق وحدتها القائمة على العدل والحرية، الطامعة الى نهضة حقيقية لا تخاصم العصر وحضارته وانما تتفاعل معه.. تأخذ وتعطي على قدم المساواة ومن موقف الند. ومن هنا يبدو التناقض الأساسي بين العالم العربي كما تريده الادارة الأميركية الحالية ـ بعنصريتها وغطرستها ـ وبين العالم العربي كما تمليه مصلحة ابنائه وطروحات دوله المشروعة. ومن هنا تأتي الحملة الصليبية التي يقودها التحالف الأميركي الصهيوني والذي يستغل أحداث 11 سبتمبر ليضع مخططاته موضع التنفيذ، وليضع العالم العربي كله ـ بدءا من العراق وفلسطين ـ تحت الهيمنة الكاملة. والآن.. ونحن نسابق الزمن لايقاف آلة الحرب الأميركية، فإن ماينبغي ان يكون واضحا هو ما أكده أمين الجامعة العربية عمرو موسى عشية الاعلان عن نقل القمة العربية إلى القاهرة وعقد الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب في الأسبوع المقبل من أن «النظام العربي كله في خطر». وأن ما أكده وزير الخارجية الأميركي باول من أن التغيير الكامل للشرق الأوسط هو هدف الحرب الأميركية المقبلة التي لن تقف عند حدود العراق هو ماينبغي التوقف عنده بكل جدية.. نعم.. النظام العربي ـ وليس العراق وحده أو فلسطين وحدها ـ يمر بأزمة طاحنة، وسيكون بلا شك أكبر الضحايا في الحرب التي تريد أميركا شنها على العرب بدءا من العراق. والتي تعاملت معها الدول العربية حتى الآن بعجز شديد، وبمنطق ان طريق السلامة يبدأ بعدم التعرض للقرار الأميركي حتى ولو كان هدفه المعلن هو اخضاع العرب وانهاء النظام العربي الحالي «وتفصيل» الدول العربية في المرحلة المقبلة وفقا للمواصفات الأميركية وحدها! وأظن أن القمة العربية ـ سواء انعقدت أو لم تنعقد ـ فإنها ستكون فاصلا أساسيا في تقرير مستقبل النظام العربي. وبالطبع فإن القمة اذا لم تنعقد أو اذا تهربت منها أطراف فاعلة وأساسية فإنها ستكون اعلانا بـ «إفلاس» القائم العربي المقبل.. فإذا كانت الدول العربية عاجزة عن اللقاء في قمة وهي تواجه أعنف أزماتها فمتى تجتمع.. ولماذا؟ واذا كانت تركيا قادرة على لم شمل الدول العربية الرئيسية في «استامبول» على مستوى وزراء الخارجية (ولولا الملامة لكان اللقاء على مستوى القمة) فإن على الجميع أن يقروا أن نظاما جديدا في المنطقة يجري انشاؤه على أنقاض النظام القديم وبقيادة غير عربية.. مع قبول كل النتائج المأساوية لهذا «الانقلاب» الاقليمي. أما اذا التأمت القمة في القاهرة، وبحضور أطرافها الرئيسية، وبتمثيل يعكس حجم الشعور بالأزمة، فإن هذا اللقاء لن يكون له معنى الا اذا انطلق من أسئلة أساسية لابد من الخروج بإجابة عليها لتكون هي الحاسمة في تقرير مصير النظام العربي. ـ السؤال الأول يتعلق بموقف أطراف النظام العربي من هذا النظام وهو يواجه أزمته الحالية.. وهل تدرك هذه الأطراف أن الخطر لا يقف عند العراق، وأن الكارثة ستصل الى كل العواصم العربية؟. ـ والسؤال الثاني حول ماتجرى اشاعته الآن في مواجهة الأزمة، بأن في الإمكان الخروج منها بالارتكان الى حلول منفردة، وتبرير الموقف المتخاذل أو المتواطئ لبعض الأطراف العربية بأنه يأتي تطبيقا لقاعدة ان المصلحة القطرية أولا، وأنه لا معنى للتضامن العربي اذا كانت نتيجته غضب أميركا أو حتى استياؤها! هذا المنطلق الذي لا يراد به فقط تبرير مواقف بعض الحكومات، وانما أيضا تبرير القمع المنتظر لحركة الجماهير باعتبارها ضد مصلحة الدولة، ودعوة القوى السياسية المختلفة للصمت على ماسيحدث باعتباره علامة العقل وتغليب المصلحة. إن القبول بهذا المنطق لا ينسف فقط أساس العمل العربي المشترك ولا يجعل فقط الحديث عن وجود مايسمى بـ «النظام العربي» حديثا وهميا، ولكنه يضع المصالح القطرية نفسها في مهب الريح.. ويلحق أبلغ الضرر بكل الدول العربية. إن تجربة عشرات السنين من المحاولات القطرية الفاشلة لتحقيق النهوض الحقيقي، تؤكد بمالا يقبل الشك أن مصلحة كل قطر عربي لا يمكن أن تتحقق الا في اطار من التعاون والتضامن يجمع العرب جميعا. كل تجارب التنمية القطرية لم تحقق الاستقلال الحقيقي ولا التقدم المنشود، وكل أمل في المستقبل يرتبط الآن بحقيقة اننا في عالم لا مكان فيه الا للكيانات الكبيرة القادرة على المنافسة في ظل العولمة، وكل كوارث الماضي التي واجهها العرب كان العامل الأساسي فيها هو الخروج على روح التضامن ورفض تطبيق المواثيق التي كانت كفيلة بتحقيق الحد الأدنى من التعاون المشترك بين كل الفرقاء. ـ والسؤال الجوهري الثالث الذي يطرح نفسه هو: ماذا سيبقى من النظام العربي اذا انطلقت الطائرات الأميركية وغير الأميركية من قواعدها في دول عربية لتضرب العراق وربما بعد ذلك سوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية الموضوعة على قائمة الانتظار فيما تسميه الولايات المتحدة بـ «الحرب ضد الارهاب»؟! إن الموقف الآن يختلف عنه في عامي (90 و1991) والعالم كله يدرك أن حرب أميركا المقبلة هي عدوان لا يستند الى قانون أو شريعة أو اخلاق ولا تحركه الا الرغبة المجنونة في السيطرة على المنطقة وعلى العالم. وأي تعاون عربي في هذا المجال ليس الا مساهمة في جريمة ترتكب في حق الأمة سوف يكون العرب جميعهم من ضحاياها. ولا شك أن حساب الشعوب سيكون عسيرا بعد ذلك، ولكن السؤال الآن ـ وقبل أن تقع الواقعة ـ يطرح نفسه على القمة المقبلة يطلب اجابة حاسمة تقول للشعب العربي: ماذا سيبقى من النظام العربي اذا حدث ما نخشاه، ولماذا لا يكون موقف الدول العربية الرئيسية الرافض لاستخدام أراضيها في أي عدوان أميركي ـ رغم العلاقات الحميمة التي تربطها بواشنطن ـ هو الموقف الذي يلتزم به الجميع؟ إن أحدا لا يطلب المعجزات، ولا أحداً يريد اعلانا بالحرب من الدول العربية ضد أميركا، ولكننا نريد «إعلانا بالسلم» يخرج النظام العربي من دائرة العجز وعدم الفعل، ويضع العالم كله أمام مسئولياته من أجل منع هذه الحرب المأساوية غير المبررة على الاطلاق. ونقطة البدء في هذا الاعلان المطلوب ان تجيب الدول العربية بحسم على الاسئلة المطروحة، وأن تؤكد حرصها على النظام العربي، والتزامها بالحفاظ عليه. وأن تعلن أن أيا منها لن يشارك في العدوان على بلد عربي ولن تكون أرضه قاعدة لهذا العدوان، بل انه ملتزم بأحكام اتفاقية الدفاع العربي المشترك بكل ماتفرضه من التزامات وواجبات وماتوفره من تضامن ضد العدوان. واذا انطلقت القمة الموجودة من هذه النقطة، فإنها تستطيع بعد ذلك أن تضع أمام العالم تصورها الكامل للخروج من هذه الأزمة باحترام الجميع ـ بمن فيهم أميركا واسرائيل ـ لقرارات الأمم المتحدة، وبضمان عربي لاخلاء العراق من أسلحة الدمار الشامل كمقدمة لاخلاء الشرق الأوسط كله من هذه الأسلحة كما تنص القرارات الدولية، وبتعهد عربي لاتمام المصالحة بين العراق وجيرانه، وبالتزام واضح من النظم العربية ـ امام جماهيرها قبل أن يكون أمام المجتمع الدولي ـ بالسير في طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان حتى نهايته.. ليس رضوخا لقرار أميركي ولكن إيمانا بأن ذلك هو التحقيق الأمثل لمبادئ الاسلام التي تجعل الإنسان خليفة لله في الأرض، والثقافة العربية في عصور نهضتها قبل أن تحاصرها رياح التخلف وتشوه صورتها سنوات الاستعمار الأجنبي وتستنزف قواها معارك الضلال التي فرضتها عليها من الحملات الصليبية الأولى الى الغزو الأوروبي الى الاستيطان الصهيوني الى مانشاهده اليوم من بلطجة سياسية وعسكرية في المنطقة يراد لها أن تتم باسم الشرعية الدولية وتحت اعلامها! ويبقى السؤال المركزي: هل مازال للنظام العربي مستقبل.. وكيف؟ الولايات المتحدة أعلنت قرارها والحملة على العراق هي مقدمة وضعته موضع التنفيذ. والعرب مازالوا حائرين بين منطق الخضوع والاستسلام أو التوسل للبقاء.. وبين منطق المقاومة من اجل السلام الذي يحقق العدل والأمن والاستقرار للجميع. ولا أظن أن الوقت يسمح بالمزيد من الحيرة في انتظار القرار! ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم المصرية