السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 طوال عقود ماضية نجحت السلطة العربية في تعطيل كافة اشكال التغيير وذلك عبر مصادرة الآليات التي تكفل اجراء اية تغييرات جوهرية في بنيتها، وينطبق ذلك اكثر على تلك الدول التي تتصف بكثافة سكانية او تلك الدول التي عاشت تغيرات مفاجئة عبر الانقلابات العسكرية او التحركات الشعبية، فالسلطة في تلك الدول استفادت من آليات التغيير عندما ارادت القفز الى السلطة، وبعد ان تحقق لها ما ارادت عمدت الى سد الثغرات التي نفذت هي منها كي لا ينفذ منها آخرون فيسلبونها امتيازاتها وصلاحياتها، وهي صلاحيات تكاد تكون مطلقة في غالب الاحوال. ولم يكن من الممكن الوصول الى تحقيق هذا الهدف الا باخضاع المجتمعات لفحص دقيق شارك فيه متخصصون في كل اعداد السيناريوهات المطلوبة، على ضوء معرفة دقائق وخصائص هذه المجتمعات او المجتمع كل حسب نظرة السلطة اليه وتعاملها معه. وكانت البداية عبر وضع اطر قانونية تحقق للسلطة ما تريد، فتم وضع دساتير وسن تشريعات تكفل لها غطاء شرعيا، وتجعل ما تقوم به مقننا، ومن خلال هذه التشريعات تمكنت من مصادرة المجتمع، فتم تجريم ما تراه هي مجرما واباحة ما تراه هو مباحا. ولذا لم يكن غريبا ان الدساتير العربية تحتوي نصوصا تكفل لمواطنيها كل شيء، بينما تمنع القوانين اي شيء في مجال الحقوق العامة، خاصة ما يتعلق منها بالحريات والتداول السلمي للسلطة. ومن أجل تحقيق اهدافها لم تفرق السلطة العربية بين الآليات المؤدية الى التغيير بالطرق السلمية او تلك المؤدية الى التغيير بوسائل عنيفة لاتقرها القوانين والدساتير. وعلى صعيد التغيير السلمي الذي يتم عبر صناديق الاقتراع صادرت السلطة في اغلب البلدان العربية هذا الحق بوسائل شتى منها تزوير الانتخابات، من اجل ضمان اغلبية تشريعية ولو كانت صورية وتساوت في ذلك الدول ذات التنظيم السياسي الواحد او التنظيمات الحزبية المتعددة، فالتعدد الحزبي عادة ما يكون مجرد ديكور. وبالتوازي مع اجهاض حق التغيير السلمي احكمت السلطة في العالم العربي سيطرتها على المؤسسات التي يمكن ان تقود الى التغيير العنيف مثل المؤسسة العسكرية، تلك المؤسسة التي ينتمي اليها قادة السلطة في كثير من بلداننا ممن ورثوا حكم العسكر لانهم منهم او هم ممن قادوا بأنفسهم انقلابات عسكرية سميت فيما بعد بالثورات. فالجيوش التي قامت في منتصف القرن الماضي بقيادة عملية التغيير وهدم الكثير من العروش خضعت لقبضة حديدية ونظام رقابة صارم كان كفيلا بوأد اي تكرار لتلك المحاولات السابقة. وفي نفس السياق وانتقالا الى جانبه الشعبي قامت السلطة بعزل وتفكيك الحلقات التي قد تؤدي ما الى تكرار نموذج الثورة الايرانية، فتلك الثورة كانت شعبية طوال مراحلها، فمثلا اذا كان الوعي بالظلم هو اول محفز للتحرك ضد الظلم، فلابد من تسطيح وتزييف هذا الوعي ليصب في صالح السلطة عبر اعلام زائف وفكر اكثر زيفا. واذا كانت الحلقة الثانية هي التذمر الجماعي فلابد من منع حدوث هذا التذمر، فان لم يكن ذلك ممكنا فلابد من احتواء المتذمرين بالقمع او الافساد. واذا كانت الحلقة الثالثة هي تحويل التذمر الى عمل جماعي منظم يندرج تحت مظلة الاحزاب او النقابات او الجمعيات فمن الضروري التضييق على كل هذه الاوعية التنظيمية، وهذا يفسر الاسباب الحقيقية لازمة العمل الحزبي والنقابي في العالم العربي، فكلما نضج حزب ما وتمتع بقاعدة شعبية يستشعر منها الخطر يتم تجميده على الفور وكذلك الحال مع النقابات والجمعيات وهذا يكشف ـ ايضا ـ اسباب ضرب النفايات في كثير من بلداننا العربية بعد نجاح النقابات المهنية السودانية عام 1985 في الاطاحة بالرئيس السابق جعفر نميري. ولم تنج المؤسسات الدينية ايضا من هذا المصير، حيث عمدت السلطة واجهزتها الى افقاد هذه المؤسسات دورها والانتقاص من هيبتها في نفوس الناس، فالمؤسسة الدينية التي ادت دورا مهما في مقاومة المستعمر يمكنها ان تلعب هذا الدور ضد جنوح السلطة، وكان من نتيجة ذلك ظهور اشباه العلماء الذين عجزوا عن التصدي لكل مظاهر التدين السلبي أو العنيف الذي ارتد في بعض المراحل على السلطة. وفي اطار اجهاض كل الآليات استحضرت السلطة خطورة الدور الكاريزمي للاشخاص. وهنا عمدت السلطة الى الحد من ظهور ونمو اي شخصية دينية او سياسية او ثقافية يمكن ان يلتقي حولها الناس بما يهدد نفوذها، ولذا كلما لمع اسم ما في مجالات العمل العام ويتمتع بتأييد شعبي يتم على الفور ابعاده الى ما هو ادنى او خلعه بفضيحة وتلطيخ سمعته. ويتم ذلك عادة اذا ما فشلت السلطة في شراء ذمته او تدجينه. ولعل هذا هو السبب في عدم قدرة مجتمعاتنا على صنع القادة من امثال مصطفى كامل وسعد زغلول وعمر مكرم وعمر المختار وعبدالقادر الجزائري ويوسف العظمة ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وطلعت حرب وغيرهم. وقد ساعدت على اداء هذه المهمة حالة التشرذم والجبن التي استشرت في اوساط النخبة العربية ايثارا للسلامة. وبعد تعطيل كل آليات التغيير ظلت السلطة العربية مطمئنة دوما الى الجماهير دونما قلق حقيقي من أية مفاجآت، ولم تخيب الجماهير ظن السلطة فكل تحركاتها ـ في ظل غياب التنظيم والشخصية القائدة ـ كانت مجرد هبات او فورات سريعة الغضب سريعة الهدوء ولا تقود مطلقا الى تحقيق تغيير جوهري، ولذا فلا يوجد الآن اي خوف لدى السلطة العربية من الشارع لديها اذا ما تم شن العدوان الاميركي على العراق. فالشارع واقع تحت قبضتها، وان خرج منها ـ افتراضا ـ فلن يؤدى الامر الى تغير جذري اللهم الا ما يتم بجهود فردية او ما شابه. وهذا ايضا ما تفهمه او تستوعبه جيدا الولايات المتحدة الاميركية ومن ثم فهي لا تقيم وزنا لا للشارع العربي ولا للسلطة العربية. وهكذا فان انتهاج هذه السياسات بقدر ما حققت «استقرارا» للسلطة العربية، فانها اضعفت المجتمعات العربية من الداخل واهدرت طاقاتها عبر ما يزيد على نصف القرن، كما احبطت اي محاولات للخروج من حالة الضعف العربي. ومن المتوقع ان تزداد الدول العربية ضعفا وتدهورا مع استمرار هذه السياسات وهو ما يعني في المحصلة النهائية مزيدا من الضعف والترنح امام التهديدات الخارجية. ولم يكن مستغربا امام هذا الضعف الداخلي في مقابل التهديدات الخارجية ان تدس الولايات المتحدة انفها واقدامها الى داخل المجتمعات العربية وتقدم على لسان كولن باول في نوفمبر الماضي ما تعتبره وصفة لعلاج ازمة عدم التغيير وعدم الديمقراطية في العالم العربي. والافضل لنا كعرب ـ سلطة وشعوبا ـ ان نتفق سويا على وصفة عربية لعلاج مشكلاتنا وازماتنا فذلك أنفع من ترك التغيرات لتنفذ منها القوى الاستعمارية المعادية. والكرة في ملعب السلطة قبل ان تكون في ملعب الشعوب.