السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 ابتكار دور جديد بوسائل جديدة للجامعة العربية يمثل في نظري حلال وحيدا للمأزق غير المسبوق الذي نعانيه انظمة وشعوباً. فكل الخيارات المتاحة امامنا بائسة، وتتعمق داخلنا اكثر فأكثر حالة من حالات هجرة القبيلة «والتعبير لغسان الامام» بقضها وقضيضها من العروبة الى اللاشيء.. مثل نهر عظيم انحرف عن مجراه، واختار لسيره ارضاً قاحلة مليئة بالاخاديد. الازمة التي تعانيها الانظمة ليست مقتصرة على عجزها عن اتخاذ موقف تجاه الاخطار التي تحدق بالعراق وتعيدنا مئة عام للوراء، وانما نعيش ازمة شاملة تنشب مخالبها في جميع مناحي حياتنا، ولولا بقية من تراث ثقافي وحضاري وعقائدي لبلغ اليأس بالناس مبلغه وتمنوا لو لم يخلقوا عربا. وللانصاف فان الانظمة ليست وحدها التي تعاني العجز، وانما الشعوب كذلك، ونحن نمر في منعطف تاريخي يوجب علينا مصارحة الذات. ينبغي علينا القول ان عجز الانظمة ناجم عن عجز الشعوب في بعض الحالات.. فحالة وضع اليد على الخد انتظارا لافعال النظم الحاكمة حالة بشعة تزيد الحكام عجزا.. والاجدر ان تستطيع الشعوب تربية كوادر وافراز قيادات يمكن للناس ان يضعوا ثقتهم فيها، وهذه عملية معقدة كلنا شركاء فيها ايجابا وسلباً، الاسرة في المنزل والمعلم في المدرسة والمدير في المصنع والاعلاميون في وسائل الاعلام اضافة الى كل المؤسسات الاجتماعية والثقافية والمهنية والسياسية صغرت ام كبرت. ليس الحاكم الذي يجد نفسه ضعيفاً وحيداً معزولا امام سطوة اجنبية هو المسئول الوحيد، المسئولية عن هذا الوضع المخزي تطالني انا وانت.. تطال الجميع دون استثناء حتى اولئك الذين ابرأوا ذمتهم وصرخوا ما استطاعوا الصراخ منبهين ومحاولين ايقاظ الامة من سبات، اذ كان علينا جميعا ان نبتكر وسائل اخرى تجعل لإخلاص المخلصين فعالية ومعنى، اذا كانت الوسائل التي نستخدمها قد ضيعت اعمارنا بعقمها. علينا اولا ان نوقن بعيشنا في دول فاشلة وان جميعنا شريك في هذا الفشل.. ومن ثم يتوجب علينا ان نتشارك جميعا في ايجاد حلول، وحفر طرق نخرج بها من حال الانسداد الذي وصلنا اليه. وبقدر سوء الحال يكون الخروج صعباً وموجعاً ويقتضي منا التنازل عن انانيتنا والتضحية ببعض ما نعتقده شأنا خاصا لا ينبغي ان تتدخل فيه اي مؤسسة حتى ولو كانت مؤسسة عربية، شاركنا في صنعها مجتمعين، وعلقنا آمالنا عليها كل بطريقته. الجامعة العربية سفينة كبيرة، علينا اذا اردنا اصلاحها ان نضحي.. ولو ضحت دولنا بقواربها الصغيرة التي اثبتت عجزها عن مواجهة الاعاصير لن تخسر كثيراً.. فحينما كان الفيضان يعم قرى مصر قبل انشاء السد العالي لم يكن اهل الريف يجدون حرجاً في خلع ابواب بيوتهم لجعلها متاريس تحيط بالقرى.. يهيلون من ورائها التراب والاحجار حتى تحمي قراهم من غول الفيضان، مضحين بخصوصياتهم، ومتكاتفين في وجه الخطر، ومع ذلك لم تكن تحدث حالة سرقة واحدة رغم ان سرقات المواشي والغلال كانت منتشرة طوال العام. فاذا ما انتهى الفيضان استرد الناس ابواب البيوت واصلحوها واعادوا تركيبها. المنطقة العربية بأكملها في حاجة الى الاستفادة من حكمة قرى مصر، والتصرف بنفس الطريقة. فلو اننا تكاتفنا فيما مضى لخلق جامعة عربية قوية، لما كانت اخطار الفيضان الاميركي التي تحدق بنا الآن على نفس الدرجة من الشدة.. ولما تركنا الصومال نهبا لحرب اهلية ومجاعة كارثية، او تركنا موريتانيا تنام في احضان العشيق الصهيوني وقطر تتعاون مع الاميركي، والجزائر في دوامة العنف وتونس في دوامة العلمنة والسودان في دوامة التقسيم ومصر في دوامة المشاكل الاقتصادية وفلسطين تغتصب جهارا نهارا كل يوم، ونطلب من المغتصبة الا تصرخ فتحل علينا الشتائم التي يوجهها مظفر النواب ونستحقها جميعا فردا فردا.. الدول العربية قويها وضعيفها غنيها وفقيرها دول قاصرة تحتاج الى وصي، وليس هناك من يصلح لهذه الوصاية الا جامعة الدول العربية، فالبديل الاميركي يمثل ذئباً كاسرا وليس من الحكمة او الحصافة ان نحمله مسئولية قطيع حملان. خلال افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب طرح الشاعر جمال بخيت سؤالا جارحا قال فيه ان الرئيس الاميركي بوش مثل مجنون يحمل قنبلة نووية، فماذا لو ألقى هذا المجنون قنبلته على مصر؟ وماذا لو فرغ المعول الاميركي من ارض الرافدين واتجه الى ارض الكنانة. سؤال كهذا يعني ان نفتح مداه على اتساعه، ففي كل بلد عربي مسمار جحا للاميركان.. هذا البلد فيه بترول.. وآخر فيه ارهابيون، وثالث فيه سوق تصلح لاستهلاك المنتجات الاميركية ورابع يصلح ان يمثل حديقة خلفية للسطوة الاسرائيلية وخامس يعاني من نظام متسلط في نظر الاميركان، وسادس يصر على مناهج تعليمية لا تتسق مع الحضارة الغربية وسابع.... واثنان وعشرون يمثل مقرا مريحا لاحد الاساطيل الاميركية. لن تعدم اميركا الذرائع للسيطرة على اي قطر عربي وانتزاعه من اهله بثروته او فقره، بأفراحه او احزانه. لماذا نعدم القدرة على تخيل جامعة عربية تعين كل قطر على تجاوز مشاكله الذاتية، جامعة لا تمثل في النهاية حاصل جمع لارادات انظمة بقدر ما تمثل حاصل جمع لارادات ابناء امة اوشك اليأس من اصلاح شيء ان يفترسهم. هناك مبادرة سعودية تم تقديمها الى امانة الجامعة العربية تمثل خطوة مبدئية على هذا الطريق الطويل والصعب.. خطوة يبدو ان من صاغها كان واقعاً تحت تأثير الجماهير وليس مدفوعا بمصالح ضيقة كتلك المصالح التي تحرك الانظمة الحاكمة في اوطاننا. تتحدث المبادرة عن نظام عربي محكم وعن جامعة يحترم اعضاؤها قراراتها وعن عقد اجتماعي عربي جديد بين الحكام والمحكومين، وتدعو الى وضع آليات محددة وبرامج واضحة وميثاق عربي جديد يبنى بموجبه العمل المشترك على اوثق العرى وأقواها وليس على اضعفها واوهنها شأنا. تتحدث المبادرة عن اصلاح ذاتي وتطوير مشاركة سياسية وتوفير شروط نهضة شاملة. وعن قادة لا يقولون الا ما يفعلون ولا يعدون الا بما يقدرون على الوفاء به.. وعن محاسبة شعوب للحكام. لماذا لا نحلم بما هو اكثر.. ان تتدخل الجامعة العربية لتوزيع عادل للثروات بين ابناء كل قطر، وان تتدخل لضمان حد ادنى من الديمقراطية والمشاركة الشعبية، ان تعزل نظاما حاكما لانه تسبب في خسائر لشعبه، وان تحاكم امام محكمة العدل العربية قادة حزب حاكم لانهم تسببوا في خسائر لامتهم. بالقطع يحتاج مثل هذا الحلم الى اليات صحيحة والى جهود جبارة والى اناس قادرين على الحلم بالمستقبل وعلى التضحية بمكاسب عاجلة في سبيل مكاسب دائمة.. ولن يصلح مع هذا الحلم اي نظام يتعامل بمنطق «انا ومن بعدي الطوفان». ومهما كانت انانية افراد النخب الحاكمة.. او شهوتهم الجامحة للاغراق في القطرية فان عليهم ان يختاروا بحكمة بين مؤسسة عربية نبنيها معا.. ونعلق عليها احلامنا، ونتنازل لها عن بعض حرياتنا، وبين كولن باول ومشروعه الجهنمي لاصلاح وتطوير ودمقرطة المنطقة. المنطق يقتضي ان نختار اقل الخيارين مرارة.. وليس في خيار جامعة عربية تحكمنا وتلمنا تحت جناحها اي نوع من المرارة الا على افراد نظم حاكمة لهم مصلحة في ان نظل مشتتين عاجزين.. متلذذين بجلد الذات، والتحسر على لبن سكبناه، وبناء هدمناه ثم جلسنا لنبكي على اطلاله. التنازل للجامعة العربية خيار ديني اذا اردنا الاسلام ونفعي اذا اردنا الميكيافيللية لانه في النهاية هو خيار بين الوجود والعدم.. بين الصحة ومرض الموت. magdishendi@hotmil.com