السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 لو كان جمهور المتلقين الذين خاطبهم كولن باول الاسبوع الماضي هم الجماهير العريضة في الشارع الاميركي والشارع العالمي لجاز اعتبار خطابه رغم زخمه الدرامي ضرباً من فن «العلاقات العامة» ولكن ان يخاطب وزير دولة عظمى جمعا دوليا يتكون من ارفع نخب صناع السياسة بمشاركة 12 وزير خارجية بذات الاسلوب ـ اسلوب الدعاية الغوغائية ـ فان هذا مما يشكك في سلامة تقدير الطاقم القيادي القائم على حكم هذه الدولة العظمى. الجمع الدولي كان مجلس الامن التابع لهيئة الامم المتحدة، والجلسة كانت استثنائية ينتظرها العالم بأسره ليعرف ماذا اعد وزير الدولة العظمى من «أدلة دامغة» بشأن العراق واسلحة الدمار الشامل واذا بوزير الخارجية الاميركية يتلو خطاباً مطولاً مشفوعاً بعرض من الوسائل السمعية والبصرية.. لم يكن من أوله لآخره سوى سرد دعائي صرف. خطاب باول لم يشتمل على اي نقطة يمكن ان تكون جديرة باسم «حقيقة» فكل ما ورد فيه بحق العراق لم يكن سوى اتهامات افتراضية غير مسنودة بأي دليل. من هنا كان اضطرار الوزير الاميركي الى تبني اسلوب العلاقات العامة. فهو الملجأ الذي يلجأ اليه عادة من يفتقر الى المعلومة الرصينة والحجة المتينة، ونعلم ان فن العلاقات العامة هو فن الحيلة الدعائية الخاوية التي تبنى على خلق انطباعات زائفة ووقتية لدى جمهور المتلقين.. ولذا فهو الاسلوب الملائم لمخاطبة جماهير الغوغاء. وهنا يتساءل المرء في حيرة: هل حقا تجهل النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة حكمة «لكل مقام مقال»؟ وهل كانت فعلا مقتنعة سلفاً بأن جمعاً نخبوياً دولياً لمجلس الامن الدولي يشارك فيه اثنا عشر من وزراء الخارجية بينهم ممثلون لقوى دولية كبرى يمكن ان يبتلع طعماً دعائياً رخيصاً؟ فور انتهاء الوزير الاميركي من خطابه توالي على منصة مجلس الامن وزراء خارجية اربع دول كبرى اجمعوا كلهم على الاجراء البدهي في مثل هذه الحالة.. وهو احالة اتهامات افتراضية الى جهة الاختصاص الفنية للتحقق من صحتها أو بطلانها لم تقبل دولة واحدة ادعاءات باول على ظاهرها. فكيف تقبل ادعاءات دون تحقيق؟ وعند هذا المنحنى ينبثق تساؤل: اذا كانت الادارة الاميركية واثقة تماماً من صحة «معلوماتها» سلفا فلماذا لم تتقدم بها رأساً الى جهة الاختصاص الفنية: فريق التفتيش الدولي؟ لقد قال وزير خارجية الصين: علينا ان ندعم مواصلة عمل المفتشين الدوليين. وقال وزير خارجية روسيا ان المعلومات الاميركية يجب ان يتحقق منها مفتشو الامم المتحدة. وقال وزير خارجية المانيا: يجب اعطاء المفتشين الدوليين فرصة حقيقية وما يحتاجون من وقت وقال: علينا ان نواصل البحث عن حل سلمي للازمة. وقال وزير خارجية فرنسا: يجب تعزيز نظام التفتيش الدولي في العراق. وخلاصة هذه الاقوال باللغة العادية المباشرة هي ان ادعاءات وزير الخارجية الاميركية لا تبرر شن حرب على العراق كانت ابرز الادعاءات التي ادلى بها باول بشأن العراق كما يلي: ـ ان الرئيس العراقي هدد بقتل علماء عراقيين اذا كشفوا معلومات لمفتشي الاسلحة. ـ انه جرى تعديل خزانات لطائرات حربية عراقية لنشر غازات او اسلحة جرثومية. ـ ان العراق يملك اسلحة كيماوية تتراوح بين 100 طن و500 طن. ـ ان العراق يخفي عناصر اساسية في «برنامجه المحظور» لانتاج اسلحة كيماوية. ـ ان العراق قادر على انتاج فيروس الجدري واستخدامه كسلاح جرثومي. ـ ان العراق يواصل انتاج صواريخ يصل مداها الى 1200 كيلومتر. ـ ان العراق مصمم على الحصول على قنبلة نووية، وليس من العسير ان نفهم لماذا احجمت الادارة الاميركية عن التقدم بهذه «المعلومات» الى فريق التفتيش الدولي لانها ببساطة ادعاءات ملفقة سوف تتبخر من أول محاولة للتحقيق في مصداقيتها. ومن المثير في هذا السياق ان من بين الادعاءات التي اشتمل عليها خطاب باول ما نسبه الخطاب الى «منشقين عراقيين» بأن لدى العراق معامل اسلحة متنقلة، فقد نفى رئيس المفتشين الدوليين هانز بليكس هذه المعلومة تماماً، فقد قال بليكس انه ليس لديه ادلة تثبت ذلك.. واضاف: «لم نعثر ابدا على اي منها». اما ما يبعث على اعلى درجات الحيرة فهو الادعاء الاميركي بأن هناك «صلة» بين العراق وتنظيم «القاعدة» على نحو ما اعلن باول، ووجه الحيرة ان مثل هذا القول خارج تماماً عن القضية المطروحة امام مجلس الامن الدولي: اسلحة الدمار الشامل والتفتيش عنها. ومع ذلك لم يورد باول اي ادلة تسند ادعاءه، كما ان وزراء خارجية الدول الكبرى لم يعلقوا على هذا الادعاء وكأنهم اعتبروه خارج الموضوع. وهذا مما يؤكد ان مجلس الامن الدولي ليس المكان الملائم لاستخدام نهج العلاقات العامة.. ذلك النهج الذي لا يلجأ اليه إلا من تنقصهم المعلومة والحجة.