السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 مما تشمله خلفية الانسان الاجتماعية والنفسية ابعاد التاريخ والثقافة والاقتصاد، وتشمل هذه الخلفية ايضاً القيم الروحية والدينية والثقافية والاجتماعية والمادية التي اكتسبها عن طريق التنشئة والتربية وعن طريق تجاربه الحياتية. وتتخلل هذه الابعاد والقيم عناصر ذاتية وعناصر موضوعية وفيما يلي عرض لافكار تتعلق بالاسقاط الثقافي. على الرغم من بعض الفائدة المستمدة من التحليل بوصفه وسيلة او اداة من ادوات معرفة العلة والمعلول فإنه ناقص او يعتريه عيب من الوجهين النظري والعملي فالتحليل ناقص نظرياً لانه لا يمكن للمرء عن طريقه الاحاطة المعرفية المتاحة بالعلل والمعلولات، والتحليل ناقص عملياً لان خلفية المحلل الاجتماعية النفسية تجعله انتقائياً، الى حد ما، عند التحليل. واحد العوامل المهمة التي تقرر مدى الاختلاف او مدى المسافة بين تحليل المرء والتحويل (وسنتوقف عند هذه الظاهرة فيما يلي) الذي يوجده هو مدى قدرته على ايجاد مسافة بينه وبين ما يحلله، وعلى مدى قدرته على الفصل بين الموضوعي والذاتي. فكلما كانت المسافة اكبر، بافتراض انه اوجد تلك المسافة، كان تحويله اقرب الى عملية التحليل. وفي الحقيقة ان الفصل بين الجانب الموضوعي والجانب الذاتي في النفس يكاد يكون مستحيلاً او هو بالغ الصعوبة. مدى التشابك بين العنصر الذاتي والعنصر الموضوعي ومسألة مدى امكان او استحالة الفصل بينهما من المواضيع التي شغلت المفكرين مدة قرون. ولا تزال هذه المسألة تشغل الفكر البشري. وتقرر طبيعة الانسان وخلفيته هذه سلوكه الفكري والعاطفي وأهدافه ونزعاته وميوله، وبعبارة اخرى، تفرز شخصيته. الاسقاط الثقافي في الاسقاط الثقافي تتحول عملية التحليل، بسبب الطبيعة البشرية وبسبب الخلفية الاجتماعية بالمعنى الاشمل، الى عملية تحويل للشيء الذي كان القصد تحليله وتفسيره والى عملية انتاج جديد له بدلاً من انجاز التحليل ابتغاء وصف ذلك الشيء واكتشافه ومعرفته. فيما يسمى بعملية التحليل يسقط «المحلل» نفسه، اي شخصيته بخلفيتها، على ما كان يقول انه يحلله، فيما يسمى بعملية التحليل يفقد ما كان يقال انه «موضوع التحليل» موضوعيته ويتحول الى نتاج للتفاعلات النشيطة لشخصية الذي يقوم بـ «التحليل» وهو يتناول بطريقته الشيء الذي «يحلله». و«المحلل» او «الباحث» للشيء هو الذي يقرر بدايته. وهو الذي يرتئي هذه البداية. وهي توصف بأنها بداية بالنسبة الى المحلل، وقد لا تستحق ان توصف بأنها بداية من منظور آخر غير منظور ذلك المحلل، من منظور السياق التاريخي، او من منطلق ايجاد المنظور السليم او من منظور شمول الرؤية ووصف «المحلل» لتناوله بأنه بداية يستند الى رؤيته. قراره الناجم عن شخصيته وخلفيته ارتأى ان تلك النقطة هي البداية. وهذه ليست «البداية» الوحيدة بالنسبة الى هذا «المحلل». فخلال عملية هذا التناول كل قرار يقرره ذلك الذي يقوم بالتناول يكون بداية ايضاً. تحدث هذه البدايات حينما يصدر ذلك المتناول حكمه الفاصل على نحو يجعل فهم الجوانب المتعلقة بالشيء المتناول متفقاً مع شخصية المتناول. وبهذه العملية تبتلع شخصية المتناول، من منظوره، الشيء الذي يجري تناوله، ولا يرى المتناول (بكسر الواو) الشيء المتناول (بفتح الواو) بعيداً عنه او موضوعاً او انه توجد مسافة بينه وبين الشيء المتناول، بالنسبة الى الشخص الذي يقوم بالتناول يكون الشيء الذي يجري تناوله وظيفياً، يؤدي وظيفة تحقيق توقعات الشخص المتناول وتصديق تصوراته المتحيزة وتبرير الموقف المتخذ من الشيء المتناول، وبذلك قد يصبح الشخص المتناول راضياً ومسروراً. وبهذه العملية ايضاً يصبح الشيء المتناول نسبياً الى الشخص الذي يقوم بالتناول. يحكم على تاريخ الشيء المتناول وعلى ثقافته وحضارته ومعتقداته وحياته وتمنياته من منظور الشخص الذي يقوم بالتناول. وذلك المنظور توجده شخصية المتناول وخلفيته. ويمكن ان يكون الشيء المتناول شخصاً او شعباً أو أمة او قارة، كما انه يمكن ان تكون الجهة التي تقوم بالتناول شخصاً او جماعة او حكومة. والاسقاط الثقافي او الايديولوجي مظهر من مظاهر عملية التحويل لما كان يقصد ان يكون تحليلاً وتفسيراً، وقسم كبير من الكتابات الاستشراقية مثال ساطع على عملية التحويل هذه. فهذه الكتابات عن الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية خلال التاريخ العربي ـ الاسلامي كانت في الحقيقة اسقاطاً ثقافياً لعقيدة سياسية على الشرق. رأى ادوارد سعيد في الصفحة الثالثة من كتابه «الاستشراق» ما معناه ان الاستشراق اسقاط ثقافي لعقيدة سياسية على الشرق والاسلوب الغربي للسيطرة على الشرق واعادة بنائه وامتلاك السيطرة عليه. ممارسة التأثير والانسان مخلوق سياسي. السياسة متأصلة في طبيعة الانسان وحياته. وللسياسة تعاريف، واحد هذه التعاريف ذات الاهمية الكبيرة هو ان السياسة هي القدرة على ممارسة التأثير، ويبدو لي ان هذا التعريف لم يول الاهتمام الذي يستحقه في الدراسات السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية والتاريخية العربية. والسياسة بهذا التعريف اكثر اتساعاً من مفهوم السياسة بمعنى سوس الامم والدول او بمعنى مجال نشاط الحكومات. وكل نشاط مسكون بممارسة الاثر. وتقوم علاقات بين البشر في شتى المجالات، وهي ايضاً وفي نفس الوقت علاقات سياسية، بمعنى انها تنطوي على التأثير والتأثر. العلاقات الاقتصادية والثقافية علاقات في مجال الاقتصاد والثقافية وهي ايضاً علاقات سياسية. والمؤسسات والكيانات والمنظمات الثقافية والتربوية والاقتصادية مؤسسات وكيانات ومنظمات في مجالات الثقافة والتربية والاقتصاد. وهي ايضاً كيانات سياسية. والمجتمع البشري كله، سواء أكان مجتمعاً صغيراً ام كبيراً، كيان او مؤسسة سياسية، والنظام الدولي سياسي. وفي اية علاقة بين انسان وانسان آخر او بين شعب وشعب آخر او بين اصحاب ثقافة واصحاب ثقافة او ثقافات اخرى يوجد عامل التأثير، وبالتالي مسكون بالممارسة السياسية، سواء اكان ذلك التأثير او الاثر نابعاً من قصد او دون قصد. والحكم على المستوى القطري او المحلي ينطوي على الممارسة السياسية، وعلى الرغم من ان الحكم احدى صور الممارسة السياسية فإنه قد يكون اشد تلك الصور تجلياً. ويعني ذلك كله انه لا يمكن الفصل بين الحياة والنشاط الانسانيين، من ناحية، والسياسة، من الناحية الاخرى، بمعنى ممارسة التأثير الواعية او غير الواعية. ويختلف قدر الصفة السياسية في علاقة من العلاقات تبعاً لقوة او ضعف تلك العلاقة وموقعها في الظروف والملابسات الاجتماعية والنفسية والتاريخية والطبيعية وتبعاً لموضوع تلك العلاقة وتلك الظروف والملابسات. وايضاً تختلف قوة البعد السياسي للانسان ولنشاطه تبعاً لاختلاف الظروف التي يعيشها الانسان ومن هذه الظروف التخصص المهني. كلما ازداد البشر تخصصاً من الناحية المهنية قلت قوة البعد السياسي في ادائهم المهني. ولكن في الوقت نفسه يزداد ثقلهم السياسي بوصفهم جماعة تؤدي وظيفة في المجتمع، وظيفتهم في المجتمع تؤمن ممارستهم للتأثير. وحجم هذا التأثير يتوقف على عوامل منها مدى الاحترام والاعتبار اللذين يوليهما افراد المجتمع لمهنة من المهن. فالمهندس، على سبيل المثال، لا يزاول مهنته بوصفه حاكماً او مدعياً عاماً او شيخ قبيلة، ولكنه يزاولها بوصفه مهندساً. ولمزاولة مهن يوليها افراد المجتمع اهتماماً كبيراً من قبيل الطب والتعليم الجامعي وزن سياسي اكبر من مزاولة مهن يوليها افراد المجتمع اعتباراً اقل من قبيل جمع القمامة او تلميع الاحذية او الخياطة. أصول المعرفة ويمكن تناول العامل السياسي لمزاولة المهن من منظور آخر. في هذه المزاولة يقل او يزيد العامل السياسي تبعاً لما اذا كان التخصص المهني في العلوم الطبيعية والرياضية ـ اي العلوم الدقيقة ـ او في العلوم الأقل دقة، من قبيل القانون والعلم السياسي وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد. من طبيعة العلوم الأقل دقة انها اكثر طواعية للتأويل واشد خضوعاً للقراءات المختلفة. وبعكس ذلك العلوم الدقيقة التي تقل او تنعدم فيها القراءات، وبالتالي اقل خضوعاً للتفسيرات الذاتية. في الاداء المهني المعتمد على التخصص في العلوم الدقيقة يقل العامل السياسي لانه ينعدم في هذا الاداء التفسير الشخصي الذاتي المغرض، وفي الاداء المهني المعتمد على التخصص في العلوم غير الدقيقة يقوي حضور العامل الشخصي الذاتي المغرض، مما يتيح للمتخصص حيزاً اكبر لممارسة التأثير وبالتالي يكون من الاسهل تحقيق الممارسة السياسية في هذه الحالة. يبين ذلك ان البعد السياسي والبعد التخصصي المهني يتعايشان في الانسان والعلاقات بينهما علاقات جدلية. في الاداء التخصصي المهني اذا قوي بعد واحد كانت هذه القوة عاملاً في اضعاف الآخر، ومما له صلة بالموضوع القول ان معرفة هذه الحقيقة تساعد في ادراك اصول المعرفة البشرية، فلتحقيق ادراك هذه المعرفة يجب التمييز ـ على الاقل نظرياً ان لم يكن من الممكن عملياً ـ بين الاداء المهني التخصصي والاداء غير التخصصي. وممارسة التأثير الواعية يقصد بها تحقيق اغراض معينة، اذ ينبغي ان تكون الممارسة السياسية واعية حتى تكون ذات قصد او غرض، ويستعمل الشخص السياسي وسائل لتحقيق التأثير لغرض تحقيق غرض او اغراض معينة. وحتى اذا لم يعترف شخص او جماعة عن قصد او عمد بأن السياسة متأصلة في حياة الانسان وكياناته، وهي تدري بأن للسياسة صفة التأصل هذه، فإن عدم الاعتراف هذا نشاط سياسي ايضاً. على سبيل المثال، المساعدة التي تقدمها الحكومة للناس في حالة مجاعتهم هي اشد تأثيراً من المساعدة التي تقدمها للناس وهم ليسوا في حالة المجاعة. وايضاً تدريب الحكومة للناس على الدفاع عن النفس في حالة الحرب اشد اهمية وتأثيراً من ذلك التدريب في حالة السلام او في حالة التوتر التي لم تبلغ حالة الحرب. الحس النقدي ويمكن للمرء ان تكون له نشاطات كثيرة في مجالات كثيرة. وتتوقف كثرة هذه النشاطات على عوامل، منها مدى الاهتمام لدى المرء. وثمة طرق فعالة لايجاد او اثارة هذا الاهتمام، واحدى هذه الطرق هي اتاحة الحس النقدي. وهذه الاتاحة يمكن ان تحقق بوسائل منها التنشئة والتعليم على ممارسة الفكر النقدي. وللظروف والملابسات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية اثر مقيد للبحث في مجالات المعرفة وفي مجالات الفنون. فهي تجعل من المستحيل او من بالغ الصعوبة الكتابات الحرة. وتختلف هذه الظروف والملابسات بعضها عن بعض في مدى التأثير الذي تمارسه. وهذه الظروف والملابسات تقيد ايضاً كل ما يقوم به الانسان. وجسد الانسان حاضر دائماً، ولحضور الجسد تقييد لانسياب الفكر. البشر يتأثرون بحضورهم المادي. والوجود في المحيط الاجتماعي، على الرغم من الفوائد التي تجنى، مقيد للفكر وللحرية. وتؤدي الايديولوجية وظائف، منها ادامة النظام الاجتماعي السياسي القائم، وهو نظام قائم على التفاوت في توزيع الفوائد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومحاولة التقليل من اثر المكون الايديولوجي ـ ولا يحاول التخلص التام من اثره سوى الذين لعلهم يتوهمون بامكانية ذلك ـ تؤدي الى استعداء كثير من الناس. فهؤلاء، لانهم ايديولوجيون بمعرفة او بدون معرفة، لا يريدون معاداة الايديولوجية التي يستفيدون من وجودها. وبالتالي يقل اثر الموضوعية والتحليل في سياقات تشكل الايديولوجية عاملاً مهماً فيها. وكل سياق اجتماعي يتضمن عنصراً ايديولوجياً. وبالتالي فإن القول باتباع الموضوعية في سياق اجتماعي قول ايديولوجي. ومن شأن هذا القول ان يحمل معنى محاولة التأثير في ايديولوجية من يوجه هذا القول اليهم. ولان من المستحيل التخلص من الايديولوجية في الحياة الاجتماعية فإن من المستحيل في جو تسيطر عليه الايديولوجية التوصل الى الحقيقة. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة