السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 مصطلحات كثيرة اصبح الناس يمضغونها مع نشرات الاخبار دون عناء كبير في الهضم او التحليل، ومن بين هذه المصطلحات التي نزلت كالمطر مؤخراً مصطلح الخرق المادي وMaterial Breac لقرارات مجلس الامن بواسطة العراق. ومعذرة اذا كنت قد استخدمت كلمة « خرق »، ولكنني وجدته اقرب من كلمة « انتهاك» التي اعتقد انها ترجمة صحيحة لكلمة اخرى هي Violation، والمسالة عندي ليست استعراضاً لغوياً بقدر ما هي تحديد قانوني للمعنى مبعثه الحرص على سلامة المضمون. وحتى لا يكون الموضوع مملاً، ولاسباب اخرى لا تخفي على اللبيب وغير اللبيب، فانني لن اتناول هذا الموضوع سباحة في المطلق، خاصة وان الظروف تتيح مثالاً تطبيقياً وتجريبياً في مسالة العراق، حيث اصبحت تلك الدولة العربية التعيسة ليست فقط مجرد مسرح لتجريب انواع الاسلحة الجديدة التي لم يسبق استخدامها، وانما ايضاً مسرح كبير لتداول وتجريب مفاهيم ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، وما يتبعه من تطور في القانون الدولي. تعد عملية « عاصفة الصحراء » ضد العراق اول تطبيق عملي حقيقي لنظام الامم المتحدة في الامن الجماعي، وهي ثورة حقيقية في التنظيم الدولي لاستخدام القوة، وقد ورد في الكتاب الازرق للامم المتحدة ( الامم المتحدة والنزاع العراقي الكويتي 1990ـ 1996 ) ان الغزو العراقي للكويت واحتلالها كان الحالة الاولى منذ انشاء الامم المتحدة التي تقوم فيها احد الدول الاعضاء باحتلال وضم دولة اخرى، ونظراً لهذه الحالة الخاصة فانها تطلبت اجراءات مبتكرة تحقق تطبيقاً عملياً لمفهوم الميثاق حول كيفية المحافظة على السلم والامن الدوليين. والثورة الحقيقية في هذا الشان هي قيام مجلس الامن بالترخيص للدول الاعضاء في استخدام القوة، وذلك تطبيقاً للفصل السابع من الميثاق، وقد تدرج الامر على النحو التالي: فقد صدر القرار رقم 665 من مجلس الامن يطالب الدول الاعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت، والتي نشرت قواتها البحرية في المنطقة، ان تتخذ تلك الاجراءات المناسبة لظروف معينة كلما كان ذلك ضرورياً وبترخيص من مجلس الامن لوقف كل عمليات الشحن من والى العراق حتى يتم تنفيذ العقوبات، ثم صدر بعد ذلك القرار رقم 678الذي رخص بوضوح للدول الاعضاء ان تستخدم «كل الوسائل الضرورية » لضمان انسحاب العراق الفوري غير المشروط لكل قواتها من الكويت، لاستعادة السلام والامن الدوليين في المنطقة، وقد كان ذلك هو الاساس القانوني لعملية «عاصفة الصحراء». واهمية ذلك انه لم يعد للامم المتحدة نفسها (وخاصة مجلس الامن) دور في القيام بعمليات تنفيذ القرارات، وانما اصبح دور مجلس الامن ان يرخص للدول الاعضاء ان تقوم بذلك بالوكالة بغض النظر عما اذا كان ذلك ممكناً طبقاً لنصوص الميثاق. وقد كانت «عاصفة الصحراء» هي البداية، ولكنها لم تكن النهاية، فقد رخص مجلس الامن بعد ذلك للدول الاعضاء ان تكرر ذلك في الصومال ويوغوسلافيا وهايتي ورواندا والبانيا وافريقيا الوسطى وسيراليون وكوسوفو وتيمور الشرقية، وكان يكفي في كل حالة الاشارة الى الفصل السابع دون اي جهد في بحث الاسس القانونية، علماً بان اغلب الحالات السابقة كانت نزاعات داخلية وليست صراعات دولية بالمعنى المفهوم. والفصل السابع يتحدث عن دفاع جماعي عن النفس، وليس الترخيص باجراءات امن جماعي، وبالتالي فان العنصر الجديد في المسالة العراقية هو التوسع في صلاحيات مجلس الامن فيما يتعلق بتطبيق الفصل السابع دون وجود ما يستند اليه هذا التوسع من قواعد قانونية في الميثاق. ولقد كان المبرر الذي ساقه البعض في هذا الصدد هو عدم مقدرة الامم المتحدة بوسائلها الخاصة تنفيذ القرارات الصادرة منها، ومن هنا كانت الحاجة للاستعانة بالدول الاعضاء للقيام بهذه المهمة، وهكذا وضعت العراق السابقة الاولى لشرعية قيام مجلس الامن بالترخيص للدول الاعضاء باستخدام القوة لتنفيذ قراراته. الا ان عيوب هذا المفهوم الجديد اثارت بعض الانتقادات، فقد راى البعض ان ذلك يفقد الامم المتحدة سيطرتها على القرار حول كيفية ادارة العملية نفسها وكيفية انهائها، وقد اعترضت كل من اليمن وكوبا على القرار رقم 678 بناءً على هذه الاسباب، بل وذهبت كوبا الى ان هذا القرار يعتبر انتهاكاً ( Violation) للميثاق، حيث انه يرخص للدول باستخدام القوة دون اي اعتبار للاجراءات التي حددها الميثاق، بينما امتنعت الصين عن التصويت على اساس ان الجملة التي وردت في القرار « كل الوسائل الضرورية » تسمح باستخدام العمل العسكري. والاهم من كل هذه الاعتراضات هو ان مجلس الامن قد اصبح معرضاً لكي يتحول الى مجرد آداة لتحليل استخدام القوة طبقاً لنفوذ واهواء بعض القوى الكبرى، وهو ما سيتضح لاحقاً. واذا كان الغزو العراقي للكويت يبرر الى حد كبير التجاوز عن الاسلوب الذي تم به استخدام قرار مجلس الامن لاخراج القوات العراقية من الكويت بالقوة، وبغض النظر عن مدى انطباق ذلك حرفياً مع نص وروح ميثاق الامم المتحدة، فان ذلك يمكن ان يجد ظلاً من الشرعية في قرار مجلس الامن رقم 678، على اساس التفسير الظاهري لنص القرار كما رآه مثلاً وفد الصين آنذاك في الامم المتحدة. الا ان العمليات التي قامت بها القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية في شمال العراق في ابريل عام 1991، لم يسبقها اي قرار من مجلس الامن، وقد قيل آنذاك لتبريرها قانونياً انها كانت لحماية الاكراد في شمال العراق، على اساس العون الانساني، ولكن قيل ايضاً ان هذه العمليات كانت بترخيص ضمني من مجلس الامن مستمد من القرار الاساسي الصادر بالترخيص باستخدام القوة، وترتب على نفس الحجج انشاء مناطق حظر للطيران شمال وجنوب العراق. وقد اثار ذلك العديد من الجدل، خاصة عندما قامت أميركا وبريطانيا في فبراير 2001، بقصف جوي على انظمة الدفاع العراقية ومراكز القيادة والسيطرة داخل وخارج مناطق حظر الطيران، وبناء على الشكوى العراقية صرح سكرتير عام الامم المتحدة بان مجلس الامن وحده هو الذي يملك تحديد قانونية مناطق حظر الطيران، وهذا التصريح يعني ـ بشكل ضمني ـ عدم وجود حق قانوني لانفراد بريطانيا وأميركا بذلك. وقد حاولت بريطانيا وضع اساس قانوني لموقفها من مناطق حظر الطيران، على اعتبار ان ذلك لمنع وقوع كارثة انسانية في تلك المناطق، وهو ما يستند الى القانون الدولي.ولكن العالم كله لم يعترف بتلك الحجج، بل واجمعت كل من روسيا والصين وفرنسا على اعتبار ذلك امرا غير قانوني. ومن الملاحظ ان أميركا ـ على عكس بريطانيا ـ لم تكلف نفسها عناء البحث عن اساس قانوني، حتى حجة حليفتها بشان منع الكوارث الانسانية. عندما قامت القوات الأميركية والبريطانية بعمليتها التي اطلق عليها « ثعلب الصحراء » ضد العراق في ديسمبر 1998، قيل ان ذلك هو تطبيق للتفويض الضمني الذي حمله قرار مجلس الامن رقم 687 الخاص بتنظيم وقف اطلاق النار، على اساس ان العراق لم تتعاون مع مفتشي الامم المتحدة، وقد اشار الجانبان الى قراري مجلس الامن ارقام 1154 و 1205 على اساس انهما صدرا تحت الفصل السابع الذي يرخص باستخدام القوة. والواقع ان القرارين المذكورين وان كانا قد اشارا الى الفصل السابع الا انهما لم يرخصا صراحة باستخدام القوة، فالقرار الاول ذكر ان على العراق طبقاً للقرار 687 ان يسمح بالدخول الفوري وغير المشروط لفرق التفتيش، وان اي انتهاك سوف تكون له عواقب خطيرة على العراق ( Severest consequences for Iraq )، وهذا بالمناسبة يشبه الصياغة التي تم التوصل اليها مؤخراً في القرار رقم 1441 بعد جهد جهيد. اما القرار رقم 1205 فقد استنكر قرار العراق بوقف التعاون مع اليونسكوم وطالبها بالتراجع عن هذا القرار، ورغم انه من الواضح ان كلا القرارين لا يرخص لاحد باستخدام القوة لتنفيذهما الا ان بريطانيا زعمت انهما يقدمان اساساً واضحاً لذلك لان مجلس الامن بقراره رقم 1205 قد احيا ضمنياً الترخيص باستخدام القوة بموجب القرار رقم 678، على اساس ان العراق بتصرفها قد خرقت وقف اطلاق النار، وهوما تحججت به أميركا ايضاً، واضافت ان العراق قد خرقت التزاماتها« خرقاً مادياً ». وقد رفضت الدول الاخرى هذه الحجج، بل اعتبرت روسيا ان الهجوم الذي تم على العراق يعد انتهاكاً لقرارات مجلس الامن، بينما قررت فرنسا انهاء مشاركتها في مراقبة منطقتي حظر الطيران. ومن المهم هنا ملاحظة ان حجة «الخرق المادي» كانت ترديداً لما ورد على لسان السكرتير العام للامم المتحدة في يناير 1993 عندما تم الهجوم على مواقع الصواريخ العراقية في مناطق حظر الطيران، فقد قال ان الهجوم الأميركي البريطاني هو بموجب تخويل مجلس الامن على اساس القرار 678، لان العراق انتهكت قرار وقف اطلاق النار. والواقع ان مسالة « التفويض الضمني » هي مسالة شديدة الخطورة، لانها تعني نقل سلطات مجلس الامن الى بعض الدول الاعضاء في مسالة تتطلب تصريحاً واضحاً لا لبس فيه، فليست أميركا ولا بريطانيا هما المنوط بهما تقرير ما اذا كان العراق قد انتهك وقف اطلاق النار، وانما تلك مسئولية مجلس الامن، وعلى الاخير فقط مهمة تحديد العواقب والاجراءات التي تتخذ بناء على ذلك. وفضلاً عما تقدم، وبافتراض ان العراق قد انتهك بالفعل القرار 687 الخاص بتنظيم عملية وقف اطلاق النار والتخلص من اسلحة الدمار الشامل، فلا يمكن لاي انتهاك ـ بغض النظر عن مداه او طبيعته ـ ان يكون مبرراً لاستخدام القوة. وللتهرب من مسالة مشروعية او عدم مشروعية فرض منطقتي حظر الطيران، ومع وجود اجماع دولي وفقهي على عدم مشروعيتها، فان أميركا وبريطانيا تلجآن الى حجة اخرى مفادها حقهما في الدفاع المشروع عن النفس لحماية طائراتهم التي تراقب منطقتي الحظر، ولكن من الواضح مدى تهافت هذه الحجة، لانه لو كان فرض منطقتي حظر الطيران غير مشروع، فان الطائرات الأميركية والبريطانية ليس لها حق الدفاع عن النفس لانها ستكون في هذه الحالة منتهكة للسيادة الجوية للعراق. ولكن ما هو نطاق الدفاع عن النفس طبقاً لما يدعيه الأميركيون والبريطانيون ؟، انهم يعتبرون ان مجرد تشغيل الرادارات العراقية لرصد طيرانهم اعتداء يتطلب الدفاع عن النفس، وتلك ليست مهزلة قانونية فقط لانه لا يوجد في تعريف القانون الدولي للهجوم شيئاً مماثلاً، وانما والحق يقال هي مهزلة اخلاقية. ربما وقع العراق من حين لآخر في خطا ارتكاب ما يسمي « خرق مادي » لاحد قرارات مجلس الامن، وهو ما يستتبع ان يتخذ ذلك المجلس، وذلك المجلس وحده، الاجراءات اللازمة لتصحيح هذا الخطا، او لالزام العراق بذلك، ولا يفترض ذلك اطلاقاً استخدام القوة او غزو العراق، وانما يكون الاجراء على قدر هذا الخرق. واذا نظرنا الى ما تقوم به اسرائيل حالياً في الاراضي الفلسطينية، فليس هناك شك في انها تنتهك القانون الدولي والقانون الدولي الانساني بشكل مستمر ومنتظم، بل انها تنتهك التزاماتها طبقاً لميثاق الامم المتحدة والقرارات العديدة لتلك المنظمة، من خلال ما ترتكبه من جرائم حرب وجرائم ابادة وجرائم ضد الانسانية، اي ان اسرائيل تنتهك حفنة من المواثيق الدولية، وليس فقط تخرق احد التزاماتها خرقاً مادياً، دون ان تتخذ أميركا او بريطانيا ما يتوجب عليهما ـ طبقاً لحججهما عن « التفويض الضمني » الذي اعطياه لانفسهما للحفاظ على السلام والامن الدولي ـ اعلان الحرب على اسرائيل. ان ما هو متوقع في المستقبل القريب من غزو ضد العراق، يعد انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، وينطبق عليه تماماً تعريف « العدوان » طبقاً لذلك القانون، وهو ما يستدعي ان يقوم مجلس الامن بمهامه منذ الآن، لان ميثاق الامم المتحدة لم يحرم فقط استخدام القوة في العلاقات بين الدول، بل حرم ايضاً التهديد باستخدامها، وهو ما يفعله منذ فترة المسئولون في أميركا وبريطانيا، فضلاً عن تدخلهما المحظور في الشئون الدخلية العراقية بالسعي لقلب نظام الحكم. ـ كاتب مصري