السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 نعيش حالة لا يمكننا فهمها كمواطنين عرب بسطاء، وبما أننا لا نفهمها فنحن نتخبط في تحليلها والتنبؤ بنتائجها، ومسألة عدم فهمنا لا تعود إلى كوننا (أغبياء) ـ لا سمح الله ـ فالمواطن العربي ذكي بالفطرة ـ هذا ما يشاع على الأقل ـ ولا إلى كون الحالة صعبة وعصيَّة على الفهم، فالمسائل واضحة ومنشورة في كل مكان ولا تحتاج إلى فقهاء في السياسة أو معلمين في العلاقات الدولية ليشرحوها لنا، كل الحكاية هي أننا لا نفهم لأنه مطلوب الاَّ نفهم، فإذا فهمنا، فالمطلوب أن نتظاهر بأننا لم نفهم، والأهم في كل الحكاية ألاَّ نقول ما فهمناه وما عرفناه وما نعرفه بالفعل!! فإذا أردنا أن نكتب ونتحدث حول ما يجري وأسبابه، ونتائجه، فما علينا سوى أن نتهم بوش ـ مع حفظ المناصب والألقاب ـ وجماعته في الادارة الأميركية، ونجر التهمة إلى شارون والصهيونية والاستعمار وصولاً إلى التآمر الدولي علينا، وضعف المنظمات الدولية، وعدم فاعلية الجامعة العربية، وعدم جدية تركيا في تعاملاتها مع العرب، وخبث الانجليز، وفي النهاية فالحق على الطليان!! الذي نتظاهر بعدم فهمه يكمن في غرابة الموقف العربي مما يجري في قلب العالم العربي: حشود أميركية وبريطانية بلغت 150 ألف جندي، حاملات طائرات عملاقة، كتائب مشاة، مدمرات، ناقلات، اضافة لمعارك لا تهدأ في أروقة مجلس الأمن، والبيت الأبيض، ووزارة الخارجية الأميركية، والدفاع والمخابرات المركزية حول شأن واحد لا غيره: الحرب على العراق، يعني على العالم العربي، يعني علينا: أنظمة وشعوبا وثروات. وأجيالاً قادمة، ومع ذلك، فالعرب لا يشبهون في حالتهم الراهنة سوى مؤسسة عربية قديمة متهالكة، أخذ كل موظفيها اجازة مفتوحة، ابتداء بالمدير وانتهاء بالناطور، وغادروا في رحلة مجهولة الى الفضاء!! نحن مقبلون على حرب مدمرة، سيتولد عنها فوضى عارمة، وقد تنفجر المنطقة بثورات وحروب أهلية طاحنة، ذلك أن الحرب لن تكون في صحراء قاحلة أو في وديان لا ماء فيها ولا زرع، انها ستقع في اكثر مناطق الدنيا حساسية واحتواء على التناقضات والأزمات المزمنة الشبيهة بالقنابل وحقول الألغام، ومع كل هذه الخطورة، فان النظام العربي متمسك بالصمت الرهيب حتى الرمق الأخير، بينما الشعوب تلوذ بذهنية القضاء والقدر، قاذفة بكل أوراقها في سلته، بينما عينها وقلبها يتابعان الموقف الفرنسي والألماني وكأنه الملاذ الاخير، وبهذا فمن حق الشعب العربي أن يمنح حق المشاركة في الانتخابات الفرنسية والألمانية المقبلة طالما أن مطالبه صارت ـ كما نتوهم ـ على جدول اهتمامات الرئيسين شيراك وشرويدر!! فقد النظام العربي الرسمي قدرته على الفعل والتغيير منذ انهزم وانكشف بشكل فاضح عام 1948 في فلسطين ومن ثم توالت هزائمه واحدة تلو الأخرى، ثم فقد قدرته على المبادرة بعد حادثتي زيارة السادات للقدس وبداية مشوار التطبيع والاستسلام للصهاينة، ثم بعد مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج الاولى مباشرة عام 1991 والاقتناع المطلق بأن 99% من أوراق حل معضلة الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة، ومن ثم تفضلت هذه مشكورة بايهامنا أن السلام مع العدو الصهيوني هو خيارنا الاستراتيجي الوحيد، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن ونحن في حالتين لا ثالث لهما: اما في حرب ودمار واما في انتظار حرب اخرى ودمارات اضافية، وفي كلتا الحالتين فنحن لا نفعل شيئا سوى انتظار الخراب، والتصفيق له وللمتسببين فيه! السؤال الذي لا يراد لنا الاجابة عليه: من هم المتسببون فيه؟