السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 لقد أثبت الحظ وليس قيادة أكبر دولة في العالم، ان المقاييس والحسابات ربما لا تكون صحيحة في عالم السياسة، فلم يقف الحظ مع أي رئيس أميركي مثلما وقف بسطوته وقوته واندفاعه مع المدعو جورج دبليو بوش، حيث ساند ظهره العاري وعزيمته الواهنة، وتلقّفه قبل أن يسقط من كرسي الرئاسة، ليصبح الرئيس الأميركي الثالث والأربعين، وكأن المثل الذي يقول: «اعطني حظاً وارمني أينما شئت»، قد فُصِّل له! ويبدو أن أكثر المتفائلين لم يدر بخلدهم أن يروا ذاك الرجل ضئيل الثقافة الذي كثيراً ما يخطيء في لفظ الأسماء والأمثال والأعلام يقف مشخصاً أحوال الأمة! فقد كان بوش جاهلاً بالمحيط الخارجي لدرجة مثيرة، وأثبت ذلك خلال حملته الانتخابية، حيث لم يستطع التعرف على أسماء رؤساء دول وأمكنة مشهورة وحركات ومنظمات سياسية يتردد اسمها يومياً في الإعلام الأميركي، وعندما سقط الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش في الانتخابات، علّق بوش قائلا: هذا رئيس أجنبي وفّر عليّ حفظ اسمه! وفي كتابه «رجال بيض أغبياء» يبدي مايكل مور مؤلف الكتاب دهشته لنجاح جورج بوش في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويشير إلى التردي الذي شهدته الولايات المتحدة على جميع الاصعدة داخلياً وخارجياً عندما تسلّم بوش الابن زمام الرئاسة، فقد جاء انتخابه مع سلسلة من المعضلات، حيث دارت عقارب الساعة إلى الوراء، وتراجعت كل الانجازات وكأنما أشياء غير عادية تحدث، فقد خسر مستثمرون ملايين الدولارات في أسواق البورصة، وارتفعت معدلات الجريمة، واختفت شركات كانت تمثل واجهات اقتصادية يعتز بها الأميركي، وأصبح العجز النفطي يوازي 5,2 مليون برميل يومياً، وبات 37 بلداً في حالة حرب مع بعضها، وطردت الأمم المتحدة واشنطن من لجنة حقوق الانسان، وغيرها من الاخفاقات! ويستطرد مور: لقد ولى عهد حرية الاختيار، فقد باتت هناك 6 مؤسسات إعلامية و6 شركات طيران ومؤسستان لتصنيع السيارات ومحطة إذاعة يتجمع فيها عدد من الحمقى! ويمكنك كمواطن أميركي الاختيار بين حزبين سياسيين يبدوان وجهين لعملة واحدة، وتجرى الانتخابات فيهما على هيئة واحدة، ويتم تحويلهما بطريقة واحدة من قبل الأثرياء أنفسهم، وأصبح الناس متشابهين في كل شيء، كلهم نفس الوجوه.. ولكن كيف حدث هذا؟ ويعود مور ثانية ليجيب عن السؤال في ثلاث كلمات فقط «رجال بيض أغبياء»! المثير في الأمر ان هذا الكتاب قد تم تأليفه قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ونشر بعدها ولاقى رواجاً منقطع النظير، حيث أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة لعدة شهور. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد: ما الذي تغيّر بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؟ ـ يبدو ان سيناريو الأحداث الأميركية وخاصة في البيت الأبيض كتب على طريقة الأفلام الهوليوودية، فالبطل في تلك الأفلام ربما يكون جاهلاً وغير ملم بالأحداث التي تجري حوله، وربما يُسْتغل ممن حوله،لكنه ينهض فجأة من غفوته المؤقتة، ويصبح حكيم الأمة ومرشدها، وبطلها وقائدها وملهمها. ومن يدقق في سرد كتاب مور يكتشف هذا البُعد الهوليوودي، وكأن الأحداث نسجت على منوال الأفلام الأميركية المثيرة ذات الايقاع الحركي السريع المتلاحق، فبين يوم وليلة يجد المتداعي بوش نفسه بطلاً قومياً.. هذا الذي اعتبر قبل أحداث 11 سبتمبر أقل الرؤساء تفويضاً على مدى التاريخ الأميركي، لقد تأبط الحظ أو تأبطه الحظ وسار به نحو قمة لم يكن يحلم بها أبداً لا هو ولا أشد المتفائلين. ولأن السيناريو كُتِبَ بدقة وتفاصيل مثيرة وجد الرجل نفسه أمام أمر لم يسجله أحد في تاريخ أعظم الرؤساء الأميركيين وأشدهم بأساً وأصدقهم وعداً.. فقد اجتمع خلفه الحزبان، وأُعطي ما لم يجده أحد قبله، وربما بعده! أصبح جورج دبليو بوش ذاك الرئيس الذي قيل عنه الكثير، أول رئيس في التاريخ الأميركي الذي يُعطى تفويضاً عسكرياً وسياسياً ومالياً غير مسبوق في سرعته وقوته وحجمه. ولأن القوة تجلب كل شيء، جلبت للرئيس الضعيف رباطة الجأش، وفكّت عنه عقدة اللسان، وأعطته سعة الأفق، وأصبح ذاك الرجل الذي يتعثّر في نطق جملة صغيرة خطيباً مفوهاً، يعرف أسماء الدول والأعلام وحتى القرى والمناطق النائية وأسماء الجبال في أفغانستان والعراق، لقد أصبح ينطق اسم طالبان ولا يخطيء في تهجئة اسم الملا عمر أو صدام حسين، ولم تعد ثقافة الرئيس خاصة ومحدودة وتصطدم بلافتة البيت الأبيض، بل جاوزتها إلى الضفة وغزة وبيونغ يانغ وطهران والكويت! لقد كتب سيناريو الأحداث بشكل جديد وصيغت عناصر النجاح له بالأسلوب الأميركي الدعائي المثير فمن محور الشر إلى عقيدة بوش، ومن الإرهاب إلى أسلحة الدمار الشامل! ولا ندري إلى أين ستأخذنا تلك النهاية المفتوحة لهذا السيناريو الهوليوودي المجنون!