السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 «إن شيطانا ما دخل دم اللغة العربية، فجعل العلاقة بين الكاتب والكتابة علاقة غير طبيعية، جردها من الحب والطهارة، وجعلها فعل سفاح..». عبارات نزفها قلب أحد الكتاب العرب، قبل نحو ربع قرن من الآن. كان ذلك في عام 1978، أي على بعد أربع سنوات وبضعة أشهر فقط من حرب رمضان المجيدة عام 1973، والتي جسدت التضامن العربي في أفضل صورة عرفها العصر الحديث، وحققت إنتصاراً عسكرياً عظيما بكل المقاييس، وبغض النظر عن أي خلاف حول مدى النجاح أو الفشل في استثمار هذا النصر سياسياً بعد ذلك. وحينها لم يكن الإعصار الصهيوني قد اجتاح الأرض اللبنانية واحتل عاصمة المقاومة بيروت عام 1982، وفرض تهجيراً ثانيا على منظمة التحرير الفلسطينية، لتتقلص أخيراً إلى غرف مبعثرة في بناية مهدمة تحت الحصار في «المقاطعة»، محرومة حتى من بيانات الشجب والاستنكار التي كانت «العمل العربي» الوحيد طوال العقود الماضية. إذا كان هذا حال كاتب عربي في تلك المرحلة، التي يجوز لنا أن نعتبرها اليوم «مثالية»، بالمقارنة مع وضعنا الراهن.. فماذا يمكن أن نكتب الآن، وقد مشينا على رؤوسنا مسافة اثنى عشر عاماً، منذ جريمة غزو الكويت ومآسي حرب الخليج الثانية، ونحن نستحم في شلالات الدم الفلسطيني المراق يومياً على مذبح العنصرية الشارونية.. لنجد أنفسنا، أو يتم العثور علينا، في مواجهة «طوفان الدمار الشامل» المطل علينا من الأفق الأميركي البريطاني وسط عاصفة صهيونية هوجاء؟! وبلغ التبجح العدواني ب«طوفان» من القنابل والتدمير الكلي. وليس من المنتظر، ولا من الانصاف كذلك، مطالبة «النظام العربي» بأن يهب فجأة من موته السريري ويخرج من عجزه المزمن الذي ظل طويلاً يستنسخ ذاته بذاته، فيلملم أشلاءه المتناثرة، ليحقق في أسابيع، وربما أيام، مالم يستطع تحقيقه على مدى نصف قرن، بل على مدى قرن إلا قليلاً منذ وعد بلفور عام 1917. ثم إذا كان «الطوفان» الزاحف جزءاً من استراتيجية شاملة لتغيير الخريطة السياسية للمنطقة وكياناتها الحالية، كما يرى الكثير من الخبراء والمحللين وكما تؤكد الحقائق القائمة على أرض الواقع، فمن قال إن الشعوب العربية ستذرف الدمع على زوال خريطة فرضت عليها قسرا وكلفتها الكثير من المآسي والنكبات، أو تحزن لفراق أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد «مسامير» لتثبيت تلك الخريطة المشوهة!! لكن، ماذا عن مصير الإنسان العادي في هذه المنطقة المستباحة، وعن الأخطار المدمرة التي تهدد بيئتها البرية والبحرية ومستقبل أجيالها اللاحقة؟! بل ماذا عن مصير الإنسانية كلها إذا تخلصت من دكتاتوريات محلية ضيقة النطاق ومحدودة القوة، مهما كان بطشها وجبروتها، لتصبح (هذه الإنسانية) رهينة في قبضته «دكتاتورية كونية» وحيدة، تعتبر القيم القانونية والإنسانية شيئا «قديماً» من الماضي، ولا تتعامل إلا بمنطق القوة والاكراه؟! ما أجمل أن تأتي أميركا، من خلف البحار والمحيطات، لتقتلع الدكتاتورية من أرضنا، وتمنحنا الديمقراطية على طبق من الوجبات السريعة، فنستبدل السمنة المزيفة والبدانة المرضية بأكلات شهية وصحية من «هامبورغر الديمقراطية»، و«هوت دوغ المشاركة السياسية»، الخالية من «الكولسترول» المخابراتي ومواد الهيمنة المضافة. لكن، متى كانت الديمقراطية ألعاباً مستوردة أو معلبات جاهزة؟ وأنّى لفاقد الشيء أن يعطيه؟! الجواب، ربما، عند «وزارة الأمن الداخلي» الأميركية الجديدة، أو في زنزانات غوانتانامو الشهيرة.. من يدري؟!