السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 ليس جلدا للذات أو بكاء على الأطلال أن نحاول في وقفة مع النفس تحديد ما آل اليه حالنا وموقعنا في العالم المعاصر .والسؤال الذي يفرض نفسه في ضوء التنافض الرئيسي مع العدو وهو اسرائيل : لماذا تأخر العرب وتقدمت اسرائيل وهو يمثل استمرارا لسؤال نال قدرا كبيرا من الاهتمام من مفكري الأمة وهو لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إن نظرة فاحصة الى تاريخ تكوين الدولة العبرية وهو تاريخ بالغ القصر في نشأة الأمم والدول حيث لايتجاوز سوى نصف قرن تعد بمثابة مؤشر بالغ الدلالة على مدى التراجع الذي صرنا اليه، فبالأضداد تتضح الأشياء. واذا كان يؤرخ لمحاولات النهضة العربية الحديثة بالصدمة الحضارية مع الغرب التي بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر والشام أواخر القرن الثامن عشر، فإن مرور أكثر من قرنين على هذه البدايات دون أن تؤتي ثمارها أو أن تؤتيها ولكن بالعكس لجهة تنمية التخلف إنما يثير الدهشة ويستدعي بذل الجهد في محاولة لتقديم الإجابة الشافية. يعزز من أهمية هذه المحاولة تجربة الدولة العبرية والتى وصلت خلال خمسة عقود الى مستوى من تحقيق الذات غير مسبوق في نشأة الدول يضعها على أعتاب حلم اسرائيل الكبرى , حتى أننا نرى أن أصح توصيف لها هو ذلك الذي أطلقه فيدرين وزير الخارجية الفرنسي الأسبق على الولايات المتحدة وهوhyper .power وعلى نفس المنوال فإن اسرائيل تعد وفقا لمقاييس القوة التي هي عليهاhyper regional power رغم ما قد يراه البعض في ذلك التوصيف من تضخيم لقوة اسرائيل إلا أنه يعبر كما نرى عن واقع قائم. ومع أن محاولة تحديد العوامل التي أدت الى تنامى قوة الدولة العبرية تتطلب دراسة علمية موسعة تتجاوز هذه السطور إلا أنه يمكن لنا مع نوع من التجاوز أن نحدد أهمها في الارتباط بقوة عالمية كبرى تمثلت في بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية ثم الولايات المتحدة فيما بعد . وقد تمكنت من خلال الأولى من الحصول على وعد انشاء الدولة «وعد بلفور» فيما حصلت من الثانية على تدعيم قواعد انشائها واستمرار بقائها ورفدها بعوامل القوة المختلفة, وهو مجال يطول فيه الحديث وقد لاينتهي. من المفارقات عربيا في هذا الصدد أن المحاولات العربية للارتباط بقوة دولية كبرى غالبا ما تنتهى في غير صالح العرب. ومن التجارب المأساوية في هذا الصدد تجربة الشريف حسين مع بريطانيا والتي مثلت الأمل العربي في الخروج من تحت نير الحكم العثماني ثم كانت الفجيعة الكبرى وهى أن الأمر لم يكن يتجاوز توظيف النضال العربي لصالح بريطانيا وهو ما اتضح بالاعلان عن اتفاقيات سايكس بيكو. أما التجارب العربية المعاصرة فهي تعكس خيبة أمل كبيرة وتصل في بعض الأحيان الى حد العمالة بوعى للقوة الكبرى ويغنينا وضوح الواقع عن التطرق الى ذكر أمثلة على ما نود الاشارة اليه. الى جانب ما سبق فمن الأمور التي قد تبرر وتفسر ما حصلت عليه الدولة العبرية من وضع إقليمي ودولي متميز نجاحها المبكر في امتلاك سلاح نووي وهو السلاح الذي كان حتى سنوات مضت حكرا على الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن , الى أن نجحت الهند وباكستان في كسر هذا الاحتكار والانضمام الى النادي النووي عام 1998. لقد مكن امتلاك هذا السلاح اسرائيل من فرض هيمنتها في المنطقة فضلا عن تعزيز وضعها الإقليمي والدولى، وهو نجاح يقابله اخفاق عربي. ومن الجوانب التي تستحق الاشارة هنا أنه حتى محاولة امتلاك هذا السلاح من قبل دولة عربية هى العراق جرت الكثير من الويلات على هذه الدولة والعرب جميعا, وهو أمر بدا وكأنه محظور، ما دعا اسرائيل في البداية الى المبادرة بشن هجوم على المفاعل النووي العراقي واجهاض هذه المحاولة ثم محاولة الإجهاز تماما على كامل القوة العراقية بدعوى امتلاك بغداد لهذا النوع من أسلحة الدمار الشامل. واذا كان سيناريو المخطط الأميركى والحرب المحتملة ضد بغداد لم تبدأ بعد, فإن صورة المستقبل العربي تبدو قاتمة في ضوء التوقعات عما ستسفر عنه هذه الحرب. في المقابل وفيما يعزز ما نذهب اليه فإنه يسود صمت دولى مريب على امتلاك اسرائيل لهذا السلاح وكأنه حق من حقوقها وحتى الدعوات التي تظهر على استحياء وهى غالبا من دول عربية وأحيانا اسلامية لا تجد- عن عمد- من يصغى اليها أو يوليها أدنى اهتمام! من العوامل الأخرى نجاح تل أبيب في إقامة شبكة علاقات اخطبوطية- إن صح التعبير- تقوم على المصالح مع مختلف دول العالم بما وفر لها وجودا في كافة الأقاليم الدولية . وليس أدل على ذلك من مقارنة العلاقات الاسرائيلية الأفريقية في نهاية عقد الخمسينيات وعقد الستينيات بأكمله والتي اتسمت بالمحدودية الشديدة، بما وصلت اليه هذه العلاقات في الفترة الراهنة والتي تتسم بالتغلغل الاسرائيلي في مختلف أنحاء القارة. ويعزز هذه الرؤية أن العديد من الدول تخطب ود اسرائيل في اطار سياسة تبادل المصالح وهنا نشير الى ارتباط الصين والهند وتركيا بعلاقات تعاون عسكرى ترى معها هذه المجموعة من الدول أنها يمكن أن تحقق الكثير منها بفضل ما لدى تل أبيب من قدرات عسكرية متطورة! ومن الأمور ذات الدلالة هنا والتي تعكس ادراك بعض الدول لوضع اسرائيل باعتبارها بوابة العبور الى القوة العظمى وهى الولايات المتحدة ما ذكرته بعض المصادر من أن تركيا في سعيها للانضمام الى الاتحاد الأوروبى لم تجد غضاضة في أن تتوجه الى اسرائيل لتعزيز مسعاها لدى واشنطن للضغط على دول الاتحاد لتحقيق هذا المطلب وهنا يشار مثلا الى أن رئيسة الوزراء التركية السابقة تانسو تشيلر طلبت خلال لقاء لها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق نتانياهو ممارسة جهوده لدى الادارة الأميركية للتعجيل بتحقق هذا الهدف . تتبدى الصورة بشكل أكثر مأساوية اذا ما تطرقنا الى ما حققته اسرائيل على مستوى قبولها عربيا ونجاحها في الوصول الى مرحلة التطبيع مع كافة الدول العربية باستثناءات محدودة تعد على أصابع اليد الواحدة. ومن المفارقات الأخرى في ضوء تناولنا لهذا الموضوع أنه بينما كان الصراع العربي الاسرائيلي حافزا للدولة العبرية لزيادة قوتها بتوسيع نطاق صناعاتها العسكرية وتوحيد قواها سياسيا وهو ما يشير اليه تاريخ تشكيل حكومات الوحدة الوطنية في اسرائيل، فإنه على المستوى العربي كان هذا الصراع أحد أبرز العوامل في استنزاف موارد القوة العربية، بل وزيادة حدة الخلافات العربية وفي هذا الصدد تشير دراسة علمية للدكتور أحمد يوسف حول الصراعات العربية العربية من 1945 حتى 1981 الى أن القضية الفلسطينية احتلت المرتبة الثانية في قضايا الخلاف بين النظم العربية. لا نريد أن نذهب الى ما ذهب اليه البعض من التفسير العرقي القائم على ارجاع عملية التقدم والنهضة الى عرق معين . ولكن أليس من المثير للحيرة أن تكون نفس العوامل التي ساعدت على تقدم مجتمع هى نفس العوامل تقريبا التى أدت الى تأخر آخر؟ بالطبع ليس الهدف القول باستنساخ التجربة الاسرائيلية أو حتى أية تجربة أخرى، فالتجارب التاريخية والمعاصرة تنبئنا بأن شروط النهضة والتقدم تختلف من مجتمع الى آخر حتى في نفس الفترة الزمنية وأنها تنطلق من خصوصية كل مجتمع، ولكنها دعوة ضمن دعوات عديدة للوقوف مع النفس وهو شرط من شروط تحقق أي نهضة. ويبقى السؤال لماذا تأخر العرب؟ هذا موضوع آخر