السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 منذ بداية الازمة الاميركية الاعنف مع العراق، والجميع يتحدث عن مصير صدام حسين، وضرورة الاطاحة به اما حرباً او نفياً والبديل الاخير يراه بعض العرب مفتاحاً لتجنب كابوس الحرب الكارثية التي لن يقتصر تأثيرها على حدود بغداد ولا حتى تكريت مسقط رأس صدام! النفي الاختياري للرئيس العراقي حاولت اكثر من عاصمة عربية واجنبية التنصل منه رغم انه ليس بعيداً عن المداولات التي تتم اسفل الطاولات وداخل جدران الحجرات المظلمة باعتبار ان ازاحة صدام ستريح الجميع وتخفف من وقع المأساة التي تنتظر العراق. واشنطن التي تتبنى في الظاهر سيناريو الحرب الى اخر مدى لم تظهر معارضة لبديل النفي المشروط بمحاكمة صدام وجماعته، ثم عادت وقبلت بنفي صدام ولكن مع عدم محاكمته في بلد ثالث وفي وقت لاحق جرى الحديث عن اطاحة صدام او بقائه في السلطة رمزياً واشراك حزب البعث الحاكم في مرحلة ما بعد صدام. ماذا يفهم من ذلك؟ وهل عين الولايات المتحدة وتصميمها على ضرب العراق مجرد سعي لانقاذ الشعب العراقي من براثن صدام حسين؟ ام ان العين على العراق وثرواته قبل كل شيء وفي المقدمة البترول طبعاً الذي قال وزير الخارجية الاميركي كولن باول انه سيبقى امانة في يد واشنطن لفترة من الوقت يبدو انها ستنصب بالاساس على احكام السيطرة الاميركية على الابار التي يحاول الاميركيون الايحاء بأن صدام قد يشعل النار فيها. حشود واشنطن العسكرية المدعومة بريطانياً وثماني دول اوروبية حتى الآن على الصعيد الدبلوماسي على الاقل لا يعنيها الشعب العراقي ولا شعوب المنطقة بقدر ما يهمها وضع اليد على ثروات هائلة من النفط تمثل ثاني مخزون عالمي من الذهب الاسود.. وفي هذا الاطار تبدو موافقة واشنطن او ايحائها بتبني البعض سيناريو اقصاء صدام بالنفي نوعاً من الاخراج الالطف للهدف الاميركي بالسيطرة على النفط العراقي واحكام قبضتها على نفط المنطقة بأثرها بعد ان يكون في وسع واشنطن التلاعب بالاسواق استناداً الى ارتهان نفط العراق لقرارها. ربما يكون في ازاحة صدام بالنفي واخراجه من معادلة العداء شبه الشخصي مع جورج بوش الرئيس الاميركي متنفساً لمن ملوا لعبة انتظار الحرب وتداعياتها النفسية اكثر من تأثير حمم الصواريخ والقاذفات ذاتها.. لكن هذا لن يعني ان المنطقة تجنبت الكابوس الاميركي الذي يخشاه الجميع، فقط الشكل وحده هو ما لحقه التغيير، وبقى الجوهر قائماً في صورة احتلال اميركي مباشر للعراق اولاً، وللمنطقة برمتها ثانياً. واعتقد ان الاصوات التي تتعالى الآن بانحيازها الى اطاحة صدام وازاحته ـ رغم حسن نيات بعضها ـ لن يسعدها احتلالاً اميركيا دائماً للعراق، وهذا ـ حتى لا يفهم خطأ ـ ليس دفاعاً عن صدام فليذهب الرجل حيث يريد شعبه الذي دفع اثماناً مضاعفة طوال فترة حكمه وهو المتضرر الاول من بقائه فوق خرائب الموت المتربص بملايين العراقيين. الرغبة المحمومة في التخلص من صدام كمفتاح لحل الازمة، وهي رغبة اميركية ايضاً، ليست بعيدة عن النشاط المفاجيء وحج البعض الى البيت الابيض، او سعي البعض الآخر الى عقد قمة عربية على عجل لعله ينجح العرب بمفردهم فيما فشلوا فيه مع وجود شركاء في قمة اسطنبول الوزارية التي تحاشت تحميل الولايات المتحدة اي عبء في الوصول الى حل. وبالتالي فان المرء لا يعول كثيراً على قرب الوصول الى افق سلمي ربما يكون اشد تأثيراً من راجمات القنابل.. فالغايات ليست بريئة في ضوء ان الانف الاميركية مدسوسة في الوجبات التي تعد في المطبخ العربي بعد الاقليمي الذي اخفق في اعداد مائدة طعام تسد رمق الحالمين بوجبة النفط الفواح. قد يتساءل البعض وما هو البديل الثالث اذن اذا لم تكن الحرب او رأس صدام هما الحل كورقتين لعملة اميركية واحدة؟ في ظل حالة الرعب المتحكمة في النفوس والاضطراب في العقول، ربما تكون الحلول عصية.. لكن السياسة لا تعرف الاسود والابيض ولانها فن الواقع يبقى الرمادي لونها المفضل وملعبها الاحترافي الاول. وعلى صناع السياسة ومتعاطيها تقليب واستخدام كل الاوراق سعياً لانفراج مأزق ساهم الكل ـ وليس صدام وحده ـ في نسج خيوطه المعقدة والمتشابكة.. وان كنت اظن من قراءة الواقع المعاش والماضي الغريب ان الامل ضعيف واحتمال التضحية بالام والجنين معاً الاقرب الى التصور، لان لدينا ساسة ليست لعبتهم السياسة.. وهي رؤية غير متشائمة بقدر اعترافها بحقائق الاشياء التي تقول ان اغلب مشاكلنا ومآسينا ان جاز التعبير تعود في التفاصيل الى افتقادنا لاولئك الذين احترفوا السياسة بصدق وخبروا دهاليزها وطرقها الملتوية عن وعي وبما قد يجنبنا نحرة كبرى لن تقف عند حدود الاطاحة برأس صدام واحتلال العراق.