الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 في عام 1980 ظهرت في ايطاليا رواية باسم (اسم الوردة) للكاتب الكبير أمبرتو ايكو، وحال ظهورها في ميلانو ترجمت الى كل اللغات الاوروبية والاميركية، ومن ثم تحولت الى فيلم سينمائي فيما بعد، لقد اثارت الرواية جدلا واسعاً، وصنفت باعتبارها احد النصوص الادبية الفنية المهمة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتكمن أهميتها في خصوصية أسلوبها، والتأويلات الكثيرة التي تحيط بمكامن الغموض والاسرار فيها. قراءة الرواية ـ وهي مهمة جدا ـ توحي للقاريء العربي منذ الصفحات الاولى بأن احداثها ورموزها والصراعات التي تضج بها لا تهم هذا القاريء ولا تخدم تطلعاته، فالرواية سلسلة معقدة ومتشابكة من الصراعات والجرائم والغموض، تحدث داخل دير يحوي متاهة لا سبيل لفك طلاسمها برغم كل محاولات المحقق (غوليالمو) وتلميذه المبتديء (أدسو دا مالك)، ثم يأتي الاكتشاف المذهل في النهاية والكامن ليس في عنوان الكتاب (اسم الوردة) وانما في السر الغامض في مكتبة الدير ونعني به: الكتاب المسموم. هناك كتاب لا يريد الرهبان الكبار ان يطلع عليه احد ولذلك تم حجبه بشكل او بآخر كي لا يصل اليه احد، لكن عالم الدير وحافظ اسرار المكتبة، يستعمل طريقة مرعبة لحجب المعرفة وذلك بتسميم الكتاب، فكل فضولي من الرهبان والتلاميذ او المتعطشين للمعرفة يتسممون من خلال تصفح الكتاب المحجوب وكأن هذا هو القدر المنتظر لحب المعرفة والاطلاع. ولا أدري لماذا قادتني الصفحات التي اطالعها من رواية (اسم الوردة) الى تاريخ طويل من حصار الثقافة ومحاصرة المعرفة او حجبها عن الناس، بالقوة والعنف والارهاب الذي يصل حد القتل بكل بساطة، هناك تاريخ طويل من المواجهة العنيفة والمرعبة بين الفكرة والقوة ولدت علاقة جدلية بينهما وما الكتاب الذي اتحدث عنه سوى تأكيد لتلك العلاقة المختومة بخاتم الاسرار والممنوعات والمسكوت عنه. وفي التاريخ الانساني الغربي والعربي، فان جدلية القوة والفكرة قائمة وتحتل مكانا بارزاً في تفاصيل ذلك التاريخ الذي صنع جزءا كبيراً منه اناس كان همهم الوحيد قتل الفكرة حفاظا على مصالحهم، ولا فرق في ذلك بين (ابن رشد) العربي و(جاليليو) الايطالي، ولا بين (الغزالي) و (اسقف كنيسة كانتربري) الذي كان اول مترجم للانجيل الى اللغة الانجليزية والذي ضبط بسبب آرائه (الخطيرة) في الاصلاح الديني وسيق في مارس عام 1556 الى الموت حرقا وعلى نار هادئة!! لم يكن مطلوبا من الفتاة (ابولونيا) ابنة احد اعضاء المجلس البلدي في مدينة الاسكندرية عام 249 م سوى ان (تتوب) عن تلك الافكار الخطيرة التي تؤمن بها والتي تخالف ما كان سائدا، فلما أبت هاجمها اشخاص متعصبون وحطموا اسنانها ثم اشعلوا لها ناراً وحرقوها وبعد المحرقة بعشرة اعوام حولوها الى قديسة !! ألم يعتقل ابن تيمية في سجن القلعة حتى الموت وحرم من الاقلام والقراطيس حتى صار يكتب بالفحم كالمجانين، وكذلك سجن الامام ابن حنبل على عهد (المأمون) لانه خالفه في رأي كان سائدا وظل في سجنه حتى مات!! التاريخ الانساني حافل وهادر ولا يزال بتجاذبات العلاقة السائرة على حد الخنجر والخازوق والسيف والمقصلة ما بين القوة والفكرة، ودائما ما تنجز القوة مهمتها بقتل صاحب الفكرة، او حرقه، او حرق كتبه، او نفيه او إلغائه وإبعاده، لكن التاريخ يقول ضاحكاً بأنه ما من قاتل خلده التاريخ او اشفق عليه او احترمه او وقف متبتلاً أمام قوته، وحدها الفكرة تبقى، تستمر، تطير بنفسها مخترقة حجب التاريخ، صالبة القاتل على البوابات تنهشه طيور الهزيمة المرة. مع ذلك فان اوروبا تخلصت من المأساة، وحلت المعادلة وما عادت تعاني من جدلية العلاقة، وحدنا ما زلنا نعاني اخفاقات العلاقة بين السلطة والمثقف، بين الرقابة والمؤلف، بين القوة والفكرة، ولولا اخفاقنا الذريع في حل اشكاليات هذه العلاقة ما كنا في ذيل القائمة، وآخر القافلة، ولنا اسماء على قوائم الارهاب الدولي!!