الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 كانت ليلة باردة بل قارصة يتسلل بردها إلى العظام ويهزها من شدته، اختار أن يجلس على النيل، ترك ظهره مستندا الى إحدى القوائم الأسمنتية الواقفة على ضفة النهر العظيم، واخذ يحرك وجهه نحو أضواء وضجيج القاهرة. كان به حنين يبحث عن تفاصيل: كيف هو المكان، كيف هم الناس، أخذ يذكر الاسماء ويتذكر ملامحهم، كيف هي الجرائد: هل تبدل فيها شيء؟ كان به حنين جارف نحو ذلك الذي كان فيه: المكان والزمان، وكان فيه أيضا كثير من العتب ومساحة أكبر من الزعل والغضب. انه واحد من الجنود القدامى، قد جره العمر كثيرا وأطلقوا عليه رصاصة الرحمة، رجاهم ان لا يفعلوا ذلك، فالعمر في الصحافة كلما تقدم اصبح اكثر اهمية. انها تجارب وخبرات وله أدوار قد تكون أهم، طالبهم بفرصة، لكنهم ردوا عليه، إنها سنة الحياة وقانون العمل. لا تزعل، وسنذكرك دائما ونتواصل معك، وعندما رحل مسحوا اسمه من الذاكرة وما عاد أحد يسأل عنه. رفع صوته، كانت أصوات أبواق المراكب المتحركة قد أخذت تتزايد ويزداد معها ضجيج الناس الساهرين عندها، كانوا في حالة من الانبساط: ضحك وصراخ وغناء يتردد من بعيد. صوته المرتفع شعر انه ما عاد ينفع لينفس فيه بعض كربه وغضبه، حاول أن يقول شيئا مختلفا، يلعن أولئك الزملاء الأعداء الذين غدروا به. تذكر أن نهايتهم كانت بشعة، بشعة جدا. وأنه أحسن حالا منهم. خفف من انفعاله طفل صغير تسمر أمامه، حاملا ورودا ذابلة اختار الحمراء منها ومدها نحوه: خذها لحبيبتك جنيه واحد. وأرسل الطفل البائع مواله المعهود لجذب الزبون. أجابه: ما فيش حبيبة ولا فيه جنينة، روح الله يسهل عليك. غيّر الصغير ادوات مهنته وعرف أن الزبون الجديد لا يعرف لغة الورد ولن يشتري منه. فجلس بجانبه حتى التصق به، بعد أن كان واقفا أمامه وقال: سمعت آخر نكتة، وأعطاه سيلا من النكت السريعة. وفاز أن حصل منه على نصف جنيه في النهاية. عاد يقول: أكثر من ثلاثين عاما قضيتها في الخليج، في السعودية والكويت والامارات، من صحيفة إلى مجلة، لم أحاول أن اخرج من هذا العالم وفشلت أن أعمل في وظيفة مساندة أو أكوّن مشروعا مستقلا لي. والنتيجة أن الشباب أخذته تلك الأيام ودفنته على صفحات الجرائد القديمة التي عملت بها، وأن الصحة تناقصت، أصبحت المحذورات تتزايد واليوم لا يمر من غير أدوية الأمراض المزمنة أتجرعها عن غير رضا، لكن الضعيف المريض لا حول له يستمد منها قوته وتصلّبه. لم افكر وقتها أن الايام يمكن أن تمر هكذا، كما هي رحلة الريح، سريعة لا تترك سوى ذرات الغبار وأوراق الأشجار المتساقطة. لقد عصفت بي الصحافة وما ذقت فيها سوى مجد الوهم وإبداع اللحظة، ولهاث الصدى والسباق نحو الأفضل، الذي يتلاشى إذا لم يساس ويخدم ويطور، وفي كل الاحوال، فان النجاح والتميز او حتى التقهقر يحسب في المقام الأول والأخير للجريدة. لنا الوهم! فاليوم لا أجد من ذلك العمر سوى السراب، لا أملك مالاً فكل ما جمعته في العمر الذي مضى ذهب معه، وإن بقي قرش اليوم الاسود، فإنه هو الآخر تبخر وتبعثر، فالأيام السوداء أكثر وأكبر من ذلك القرش الأبيض الصغير. غابت الاحتفالية، وغاب الأصحاب والزملاء. عندما أتذكر ذلك الزمن أقول ما أكثر الذين عرفتهم، الذين تقربت منهم أو الذين اقتربوا مني، كنت أجدهم في كل مكان، ما أكثر الذين ظننتهم أصحاباً وزملاء وتلاميذ، لقد كانوا رفاق مصلحة غابوا جميعا. بقي لي من كل ذلك العمر وذلك المجد وتلك الهواية والحرفة مجرد اسم محفوظ في المجلدات المدفونة في أرشيف تلك الصحف. اسم منسي، غير معروف وغير مهم في هذا الزمان، حتى في بلدي غريب. انني مجرد صحافي عجوز بنى اسمه ودفنه هناك في الخليج.