الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 هل تدور العملية التفاوضية بشأن مشكلة جنوب السودان في فراغ؟ وهل آن الأوان لتغيير شامل في تركيبة العضوية التفاوضية؟ رغم التصريحات الاعلامية «التفاؤلية» التي تصدر عن طرفي التفاوض، الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، بزعامة جون قرنق فان المسار التفاوضي لم يحرز حتى الان اي تقدم جوهري، ولو بمقدار سنتيمتر منذ التوصل الى «اعلان مباديء» تنظيري قبل نحو سبعة شهور، وأشك في ان الجولة المقبلة المقرر عقدها بعد عطلة عيد الاضحى وما بعدها من جولات سوف تحرز اي اختراق حقيقي بشأن القضايا الجوهرية الكبرى المطروحة على الجدول التفاوضي: اقتسام السلطة والثروة وترتيبات المرحلة الانتقالية التي من المفترض ان تقود الى المرحلة النهائية المتمثلة في ممارسة عملية تقرير المصير لشعب الجنوب السوداني. ما هي المعضلة؟ المعضلة هي ان كلا من الطرفين ينظر الى التفاوض كعملية تسجيل نقاط على الطرف الآخر ومن ثم فان الاسلوب التفاوضي الطاعن هو اسلوب المناورات، من هنا تدور العملية التفاوضية حول نفسها وسوف تبقى كذلك الى ان تنتهي الى طريق مسدود، ويتجدد التفاوض فتعقد جولة تالية تنتهي بدورها الى طريق مسدود آخر، وهكذا دواليك. ولن يتسنى كسر هذه الحلقة المفرغة الا وفق تغيير شامل في تركيبة العضوية التفاوضية. كيف؟ ان القضية القائمة ليست مسألة خلاف عابر بين حكومة سودانية احادية التمثيل السياسي ومنظمة جنوبية مسلحة لا تمثل سوى قومية قبلية واحدة على رأسها زعيم ذو طموحات سلطوية، انما هي قضية رسم مستقبل طبيعة العلاقة بين شعب في الجنوب وشعب في الشمال. وعلى هذا النحو فهي ليست قضية خلاف حدودي عابر او نزاع على تشكيل وزاري او حول مرعى . انها قضية تناقضات جذرية على الصعيد الثقافي الحضاري العريض تشتمل على الدين واللغة والعرق والمزاج الوطني والتاريخ والعادات، ومن ثم الهوية. انها بايجاز مشكلة مخضرمة عمرها ما يقارب نصف قرن بين الجنوب والشمال، وليست مشكلة ثانوية جانبية بين «الحركة الشعبية» و «نظام الانقاذ». والمعضلة هي اذن ان التركيبة التفاوضية الراهنة لا تعكس الحجم الصحيح للقضية ولذا فان هذه التركيبة سوف تبقى غير قادرة على استنباط تسوية للمشكلة قابلة للديمومة فهل من الممكن تغيير هذه التركيبة؟ هنا نصطدم بحقيقة كأداء وهي ان هذه التركيبة التفاوضية المحدودة تلائم الاغراض الذاتية المحدودة للأطراف الثلاثة المشاركة: طرفي التفاوض زائد الوسيط الاميركي الذي يعمل من وراء ستار، ولم يأت هذا الترتيب بفعل المصادفة وانما هو وضع رسمته الولايات المتحدة مسبقا. من الوهلة الاولى لدخولها على الخط كوسيط حرصت الولايات المتحدة على استبعاد القيادات الحزبية الشمالية المشاركة في «التجمع الوطني» المعارض «محمد عثمان الميرغني» والخارجة عنه «الصادق المهدي» فبعد ان حصرت الادارة الاميركية اختصاص العملية التفاوضية في مشكلة جنوب السودان فقط ومستقبل علاقته مع الشمال فان اشراك الزعامات الشمالية المعارضة اصبح بلا معنى.. اذ لن يكون لهم حق التفاوض باسم الشعب الجنوبي لانهم ببساطة ليسوا جنوبيين.. كما لن يقبلوا بالانضمام الى الجانب الحكومي كمفاوضين عن شعب الشمال. اقصاء الشق الشمال من «التجمع » على هذا النحو لقي تجاوبا من كل طرفي العملية التفاوضية: الحكومة وحركة قرنق، فالتجمع في نظر الحكومة خصم، وفي نظر قرنق تحالف مرحلي يجوز استغلاله لخدمة القضية الجنوبية كما يستحب نبذه عندما يتحول الى عبء على اجندة قرنق الجنوبية. هناك اذن خلل هيكلي في التركيبة التفاوضية الراهنة، وتصحيح هذا الخلل لن يكون ممكن التحقيق الا اذا اعيدت صياغة القضية التفاوضية كقضية عظمى مصيرية لكل من الشعبين في الجنوب والشمال لا كقضية تصالح تتبعه مساومة بين طرفين كل منهما احادي التمثيل. ان الوضع المثالي بالتالي هو ان تجلس القوى السياسية الشمالية ـ كل القوى الشمالية دون استثناء ـ في صف تفاوض واحد يقابله على الطرف المواجه صف تفاوض جنوبي يتكون من كافة القوى السياسية الجنوبية دون استثناء، وفي هذه الحالة لن تشارك الحكومة كحكومة وانما كحزب حاكم جنبا الى جنب مع الاحزاب السياسية الشمالية الاخرى، عدا ذلك لا ينبغي ان نتوقع للعملية التفاوضية الجارية سوى الانتقال من طريق مسدود الى طريق مسدود آخر على مسار المناورات وتسجيل النقاط لأجل غير مسمى.