الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 هل تصمد فرنسا وتتمسك بموقفها ضد الحرب على العراق ام انها ستغير موقفها مثلما فعلت سنة 1991 اثناء حرب الخليج الثانية. الترحيب الفرنسي السريع بقرار الرئيس جورج بوش ارسال وزير خارجيته كولن باول الى مجلس الامن له اكثر من دلالة واثار شكوكاً عديدة داخل فرنسا نفسها، التسريبات الاعلامية تكلمت عن تراجع محتمل في الموقف الفرنسي واستعداد فرنسا لتقريب المواقف الاوروبية من الأزمة العراقية وانها لا تعمل على تحطيم وحدة موقف مجلس الامن باستخدام حق الفيتو لكن الامر ليس بهذه البساطة، حيث ان فرنسا تواجه رأياً عاماً متمسكاً بموقفه ضد الحرب ضد العراق، اضافة الى ذلك وحسب تقرير لمجلة «باري ماتش» ان 79 بالمئة من الفرنسيين يطلبون من حكومتهم استخدام الفيتو لمنع الحرب في العراق. يبدو ان فرنسا تحت حكم شيراك الديغولي تسعى اكثر من اي وقت مضى لمحاربة الهيمنة الاميركية على الساحة الدولية فمنذ سقوط الثنائية القطبية سنة 1991م انفرد الاميركان باحتواء العالم والسيطرة عليه من خلال البنتاغون ومايكروسوفت والكوكاكولا وهوليوود وسي.ان.ان واللغة الانجليزية ـ وهذا كلام هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي السابق. ففرنسا تبدي اليوم اهتمامها بضرورة التوازن على الساحة الدولية ووضع نهاية لسيطرة احادية تخوض غمارها الولايات المتحدة الاميركية تحت غطاء النظام الدولي الجديد، فالدبلوماسية الفرنسية تهدف الى ايجاد عالم متعدد ومتوازن عن طريق استعمال قنوات تعاون مع قوى مثل الهند والصين وروسيا والمجموعات الاقليمية في افريقيا واميركا اللاتينية. واهم سبيل لتحقيق احلام فرنسا في ايجاد عالم متوازن خارج رحمة الولايات المتحدة الاميركية هو الانطلاقة السليمة من داخل اوروبا نفسها ومحاولة تكوين كتلة قوية تعتمد على «اليورو» وعلى الصناعات الحربية القوية. وحسب وزير الخارجية الفرنسي فإن على اوروبا ان تتحد وان تكون قوة اتحادية لمجموعة دول قومية. اعادة نظر يحاول شيراك من خلال ولايته الثانية في قصر الاليزي ان يعيد النظر في السياسة الخارجية الفرنسية في القارة السمراء فلقد لوحظ ان فرنسا قد تخلت عن مستعمراتها وتعاونت كثيراً فيما يخص واجباتها نحو الدول الافريقية مما فتح المجال امام الولايات المتحدة الاميركية ان تتربص بأفريقيا فالسياسة الخارجية الجديدة لفرنسا تنوي خفض قواتها العسكرية في الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية بنسبة 40%، وكذلك اغلاق قاعدتين عسكريتين في جمهورية افريقيا الوسطى. اكد شيراك اكثر من مرة على ضرورة اعادة النظر في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه افريقيا وضرورة تقوية علاقاتها مع مستعمراتها القديمة والنظر في اعادة تشكيل سياسة التدخل الاقتصادية وآليات التعاون، كما اكد شيراك على جهد فرنسا المستمر في احلال السلام في الشرق الاوسط بعدما انفردت الولايات المتحدة الاميركية مع اسرائيل في تقرير مصير المنطقة، ففرنسا ترى انه من واجبها ان تتدخل الى جانب الاتحاد الاوروبي لنجدة عملية السلام من الغرق والموت البطيء. وقد اتسمت السياسة الخارجية الفرنسية في افريقيا بوصمة عار وبالعديد من المشاكل والتناقضات تميز الاستعمار الفرنسي في بعض الدول الافريقية بعدم المرونة والدبلوماسية على عكس الاستعمارالبريطاني تماماً، وهذه السياسة الاستعمارية كلفت فرنسا الكثير سواء من الناحية المادية او من الناحية المعنوية والاخلاقية، هذا في زمن الاستعمار وخير مثال على ذلك هو التاريخ الدموي والغاشم لفرنسا في الجزائر. بعد الاستقلال عانت الدبلوماسية الفرنسية كذلك من مشاكل عدة اهمها مساندة انظمة دكتاتورية فشلت في مشاريعها التنموية وفي ارساء قواعد الديمقراطية والممارسة السياسية في اوساط شعوبها. فتجارب فرنسا في راوندا وجمهورية افريقيا الوسطى وفي الفترة الاخيرة ساحل العاج كانت تجارب فاشلة ووصفها البعض بالكارثة، كما ان سقوط موبوتو سيسي سيكو الرئيس الديكتاتور المدعم من قبل فرنسا منذ مجيئه الى الحكم يعتبر من النقاط السوداء للسياسة الفرنسية في القارة السمراء وموبوتو كان الصديق المدلل لمختلف رؤساء فرنسا الذين تعاقبوا على «الكي دورسي». وكل هذه المغامرات الفاشلة أنقصت من قيمة فرنسا عند الشعوب الافريقية حيث اصبحت نسبة كبيرة منها تفكر في البديل وفي قوة اخرى تستطيع ان تحميها من الديكتاتوريين والحكام المستبدين كل هذا ادى برئيس الوزراء السابق الاشتراكي ليونال جوسبان التنديد بسياسة فرنسا الخارجية ووصفها بأنها مزيج من التدخل والضعف وانعدام القوة والفعالية. شيراك الآن يفكر في اعادة بناء السياسة الخارجية الفرنسية على اسس من الواقعية والصرامة والجدية والفاعلية حيث انه يفكر في ضرورة التعاون مع كل الدول الافريقية بما فيها الدول الناطقة باللغة الانجليزية لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يستطيع شيراك ان يحقق ما فشل فيه من سبقوه. فرنسا اذن بحاجة الى استراتيجية جديدة في عهد الحرب الاميركية الشاملة ضد الارهاب. الاتجاهات الجديدة وبناء على ما تقدم يحاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك ان ينقذ الموقف ويجد مكانة مرموقة لفرنسا على الساحة الدولية تليق بها وتعيد مواقف ديغول التاريخية ازاء كل من بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية اكد الرئيس شيراك في مناسبات عدة على ضرورة القضاء على القطبية الاحادية وايجاد عالم متوازن، كما اكد كذلك على ضرورة اهتمام فرنسا بكل من القوى الاقليمية مثل الصين والهند واميركا اللاتينية، وتقوية أوروبا من دون شك تأتي في اولى الاولويات، وتتلخص اهم التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية الفرنسية فيما يلي: ـ تحرير قوانين الهجرة واعادة النظر في القوانين السابقة الجائرة وخاصة تلك التي طبقت في عهد باسكوا كذلك محاولة استقطاب النخب المثقفة من العالم الثالث وخاصة الافريقية منها وهذا يؤدي الى انفتاح اكثر على دول العالم الثالث وعلى الشركاء التقليديين في شمال افريقيا والشرق الاوسط. ـ العمل على تحقيق الاصلاحات داخل حلف شمال الاطلسي وهذا للتخفيف من قبضة الاميركان وتدعيم قوة اوروبا وستحاول الدبلوماسية الفرنسية تحقيق هذه الاصلاحات عن طريق تمثيل افضل واشمل لأوروبا في التشكيلات والهيئات المختلفة للحلف. ـ الوقوف في وجه الولايات المتحدة الاميركية في مبالغتها في استغلال وتطويع المنظمات الدولية وخاصة هيئة الامم المتحدة لخدمة اهدافها ومصالحها. ـ اشراك فرنسا وأوروبا بطريقة فعالة في مفاوضات السلام والوقوف امام انفراد اسرائيل واميركا بعملية السلام في الشرق الاوسط ففي نظر الخارجية الفرنسية هنالك انفراد غير عادل في قضية مفاوضات السلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وانه من واجب فرنسا لايجاد توازن في المفاوضات ان تفرض نفسها وتفرض الاتحاد الاوروبي كأطراف في المفاوضات. ـ اعادة النظر في برامج المساعدة والتعاون مع حلفاء فرنسا في افريقيا حيث ضرورة ترشيد هذه العلاقة والحرص على اشراك الجماهير في العملية السياسية واستفادتها من هذه البرامج. ـ الحرص على عدم ترك المجال للولايات المتحدة سواء في البحر الابيض المتوسط او في القارة الافريقية بصفة عامة وهذا لا يتم الا باعادة النظر في الاستراتيجية الحالية وتغييرها بنظرة جديدة تكون اكثر واقعية وعملية. ـ بناء كيان قوي لاوروبا الشعبية وتقوية وحدتها النقدية «اليورو» بهدف اقرار التعددية واضعاف اميركا وايجاد مكانة مرموقة لاوروبا على الساحة الدولية في عهد العولمة وثورة المعلومات والتطورات التكنولوجية الكبرى. ولكن هل تملك فرنسا وسائل سياستها هذه وهل بإمكانها ان تجند اوروبا لايجاد عالم متوازن لا تسيطر عليه الولايات المتحدة الاميركية بمفردها؟ كل المعطيات تشير الى ان ميزان القوى الحالي يوجد في يد الاميركيين، فالبيت الابيض غير مستعد للتخلي عن امتيازاته المختلفة سواء في الحلف الاطلسي او في الهيئات والمنظمات الدولية أو فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي ومسار السلام في الشرق الاوسط وتنحية الدكتور بطرس غالي من على رأس هيئة الامم المتحدة ـ رغم تصويت 14 دولة لصالحه ـ ما هو الا دليل قاطع على تعنت الاميركيين وتمسكهم بمصالحهم ووجهة نظرهم حتى ولو كانت على حساب بقية دول العالم بأسره. هل فتح ملف العراق حرباً باردة جديدة هذه المرة بين أوروبا العجوز وأميركا المتغطرسة والمتشبثة بحربها ضد الارهاب وبسيطرتها على مصادر الطاقة في العالم؟ وهل تحاول اميركا معادلة اوروبا الشرقية بأوروبا الغربية لمحاربة العداء لها وتكسير الاتحاد الاوروبي واليورو؟ ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة