الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 كل يوم يمر علينا ونحن نتابع أخبار السياسة العالمية نكتشف ممارسات سياسية أقرب إلى الشعوذة، أو الحلقات الصوفية والروابط السرية التي كنا نعتقد أنها من ممارسات القرون الوسطى عندما كانت هناك روابط دينية عسكرية، مثل رابطة فرسان مالطة محركة الحروب الصليبية أو غيرها من التجمعات الماسونية التي انتشرت في أوروبا والعالم وان كانت بقاياها تقتصر على عالم رجال المال والاعمال. ومن يقرأ الأخبار الصغيرة التي تجري في كل دولة غربية على حدة يكتشف انه في زمن المعلوماتية يتم إدارة أمور الدنيا والسياسة بالقناعات الغيبية وكلمات «الشرف» التي عفا عليها الزمن، بدلا من تقديم المعلومات والأرقام والإحصائيات لخلق قناعة لدى الآخرين بصحة أو صدق الوقائع لاتخاذ قرار حاسم تجاهها. فقد كشف الخلاف بين رئيس الحكومة الإسبانية «خوسيه ماريا أزنار» وزعيم المعارضة رئيس الحزب الاشتراكي «خوسيه لويس رودريجيث ثاباتيرو» عن ما يهول له البدن وتشيب له الشعرات في جذور الرأس، فقد طلب رئيس الوزراء الإسباني الاجتماع بزعيم المعارضة رئيس الحزب الاشتراكي، المرشح الأكثر قوة والمحتمل أن يحتل مقعد رئاسة الوزراء في البلاد خلال الانتخابات المقبلة المنتظر إجراؤها خلال عامين، وهو اجتماع طال انتظاره، لأن رئيس الوزراء كان يرى ان تمتعه أو تمتع حزبه بالأغلبية المطلقة في البرلمان يحميه من أي مساءلات، ويترفع به عن الحوار مع أي معارض، لأنه بأصوات الجماهير صار الحاكم المطلق، ورفض من قبل رفضا مطلقا أن يظهر أمام كاميرات التلفزيون برفقة زعيم المعارضة، بل أن هذا اللقاء لم يعلم به أحد حتى أعلن عنه رئيس الوزراء بنفسه بعد أن فشل في إقناع زعيم المعارضة بالبصم على بياض تأييدا لموقفه دون أدلة مادية. اتهامات عكسية وبعد ما يزيد على الساعة من ذلك الاجتماع الغريب الذي يأتي شاذا من جانب ممارسات رئيس الحكومة اليمينية، خرج ليصب جام غضبه على زعيم المعارضة، ووجه إليه اتهامات لا يمكن أن تدخل في إطار العلاقات السياسية بين رئيس حكومة وزعيم معارضة في دولة ديمقراطية. فقد وجه رئيس الحكومة إلى زعيم المعارضة اتهامات عدة منها، أو أهمها: انعدام المسئولية، واستغلال الموقف، والتعطش إلى ممارسة السلطة. يمكن مناقشة هذه الأمور، أو هذه الأوصاف عكسيا لنكتشف أن رئيس الوزراء يعتبر ما هو طبيعي في الممارسة الديمقراطية شاذا من وجهة نظره، لمجرد أن زعيم المعارضة لم يوافقه هواه، ويتبعه بلا تحفظ في كل ما تم طرحه خلال الاجتماع. فالتعطش إلى السلطة، أو حتى إبداء الرغبة في ممارسة السلطة، أو التطلع إليها تعتبر من الأمور الطبيعية في الممارسة الديمقراطية القائمة على تبادل السلطة بين الأحزاب العاملة في إطارها، والحزب أو الشخص الذي يمارس المسئولية في الديمقراطية يجب أن يكون بالطبيعة متطلعا للسلطة دائما، ذلك لأن السلطة سلاح السياسي الفرد أو الجماعة السياسية لتحقيق طموحاتها وتنفيذ برنامجها السياسي، وإذا لم يتم الوصول إلى السلطة يظل برنامج الحزب أو السياسي التابع له مجرد حبر على الورق لا يمكن تحقيقه. ومن هنا فان التطلع إلى ممارسة السلطة أو «التعطش» إليها حسب تعبير رئيس الوزراء أمر طبيعي، ولا يمكن اعتباره نقيصة في السياسي، وأعتقد أنه هو شخصيا كان يبدي هذا التعطش إلى ممارسة السلطة ويعمل من اجله طوال السنوات السبع التي قضاها في المعارضة منذ عام 1989 وحتى فوزه في انتخابات عام 1996، ثم إعادة انتخابه عام 2000. أما مسألة استغلال موقف الحكومة الضعيف لكسب الأصوات فهي مسألة تبدو غير واضحة، ويمكن أن تعود على البلاد بكوارث حقيقية كما هو الحال الآن تعتبر فرصة للحزب الاشتراكي وزعيمه في استغلال الموقف لبيان ضعف الحكومة وعدم إغاثتها في ورطتها ليحصل على أصوات الرافضين لموقف تلك الحكومة، ويحقق بذلك فرصته في الوصول إلى حكم البلاد، لأن رئيس الوزراء الإسباني من أنصار اتباع خطوات الرئيس الأميركي جورج بوش والانضمام إلى الجيش الأميركي في ضرب العراق في مغامرة غير محسوبة، وهي مسألة أبدى كثير من العسكريين الأميركيين أنفسهم تحفظا تجاهها، «اكثرهم لا يرون نتائجها الإيجابية بوضوح». أما انعدام المسئولية، وهو الاتهام الأول الذي وجهه رئيس الحكومة الإسبانية لمنافسه، زعيم المعارضة الوطنية، فذلك حكم أخلاقي لا علاقة له بالممارسة السياسية: ما يراه رئيس الوزراء في حكم تحمل المسئولية في موقف من المواقف يمكن أن يراه غيره انعداما للمسئولية، والعكس صحيح، وهنا لا يمكن قبول مثل هذه الأحكام، لأن رئيس الوزراء نفسه كثيرا ما كان خلال وجوده في المعارضة، والآن أيضا، وهو يمارس الحكم يجد نفسه يتخذ مواقف يؤكد الكثير من المحللين السياسيين انها تحتوي على انعدام للمسئولية، وموقفه حاليا الداعم لسياسات الرئيس بوش بلا تحفظ يعتبره أعضاء من الحزب الحاكم نفسه «انعدام» مسئولية، لأنهم يرون أن تلك السياسة يمكن أن تزج بإسبانيا في مواقف هي في غنى عنها، خاصة أنها قد تفقدها مكانتها، لأول مرة، كطرف محايد ويملك علاقات طيبة مع معظم الدول العربية. كان يمكن مناقشة كل هذا، أو قبول الجدل حوله في إطار التحليل المتزن للسياسة الداخلية الإسبانية، ويمكن التحيز لموقف رئيس الوزراء ضد موقف زعيم المعارضة، أو العكس، ولكن ردود زعيم المعارضة على سلسلة «الأوصاف» التي نعت بها زعيم المعارضة كشفت عن جانب جديد كان خافيا في شخصية رئيس الوزراء، بل وكشفت أيضا عن ملمح «غريب وشاذ» في ممارسة السلطة في الديمقراطية الغربية، والأهم أنها كشفت عن ملمح كان خافيا حتى وقت قريب في العلاقات الدولية، وبشكل خاص في علاقة الولايات المتحدة ببعض السياسيين الأوروبيين. خلط والتباس خلال رد زعيم المعارضة الإسبانية على اتهامات رئيس الحكومة في بلاده كشف عن ذلك الملمح الشاذ: رئيس الوزراء الإسباني يدعم موقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في حربه التي يريد شنها ضد العراق تلبية لموقف أخلاقي، وإيمانا أعمى بما يقوله صديقه، لأنه يعتقد أن كل الاتهامات الأميركية لصدام حسين مقبولة ومصدقة، حتى دون أن تقدم الولايات المتحدة دليلا عليها، من أول اتهام العراق بحيازة أسلحة دمار شامل إلى القول بوجود علاقة تربط نظام صدام حسين بالإرهاب الدولي، وبشكل خاص مع تنظيم «القاعدة» وزعيمه أسامة بن لادن(؟!) فقد ذكر سكرتير عام الحزب الاشتراكي الإسباني وزعيم المعارضة أن رئيس الوزراء لم يقدم له دليلا ماديا واحدا يثبت صحة مزاعم جورج بوش ضد العراق ونظام صدام حسين، بل أن رئيس الوزراء لم يطلب منه دعمه في مواجهة الرفض الجماهيري لهذه الحرب في إسبانيا بتقديم أدلة مادية تدخل في إطار «سري» قد لا يكون مسموحا بتداولها، وهو أمر متعارف عليه في الممارسة السياسية في النظام الديمقراطي خاصة بين الحزبين الرئيسيين اللذين يتداولان السلطة في البلاد، وإنما كل ما طلبه رئيس الوزراء الجالس على كرسي السلطة أن يدعم الموقف الأميركي «شفاهية» لأن بوش حدثه «شفاهية»، وأنه، أي رئيس الوزراء الإسباني، لا يشك في صدق كلام جورج بوش، وأنه على استعداد لخوض حرب مدمرة كتلك التي تنتظر العراق تنفيذا لوعد أو تدللا، ويطلب من زعيم المعارضة أن يتخذ الموقف نفسه لأن كلام الرئيس الأميركي لا يمكن التشكيك فيه، حتى لو لم يقدم دليلا ماديا عليه. إذن نحن لسنا هنا بصدد ممارسة السياسة طبقا لما هو متعارف عليه دوليا، أو حسب ما كنا نعتقد بأن السياسة علم يعتمد على وقائع وإحصائيات وأرقام ويبتعد عن الغيبيات، وبشكل خاص فيما يتعلق بالمسائل الدولية التي تتعلق بمصالح أوطان وأمم، بل نحن بصدد التعامل مع «تجمعات» أو «أخويات» كل فرد فيها يصدق الآخر دون دليل، وعلى كل فرد فيها أن يضحي بنفسه دون أن يشكك في قول الرفيق الآخر، كما لو كنا في القرون الوسطى التي استوحى منها توماس مان روايته الشهيرة «دارتكان» التي شعار أبطالها: الكل يضحي من اجل الواحد والواحد يضحي في سبيل الكل. لكن هذه الطريقة ربما تكون مقبولة في العلاقات الفردية التي يمتلك فيها كل فرد مصيره، وله كل الحق في أن يفعل ما يشاء بممتلكاته أو حياته، ولكن هذا المبدأ لا يصلح في العلاقات التي يكون فيها الأفراد أمناء على مستقبل شعوب وأمم، في هذه الحالة لا بد من التريث وجمع المعلومات والبيانات وتحليلها، وتقديم مصالح الأوطان على مصالح الأفراد، والذي يجب أن تتخذ فيه المواقف بما يخدم مصالح الأمم والشعوب، بل يتحتم في هذه الحالة التضحية بالذوات الفردية من اجل تحقيق صالح الجماعة. الضحية القادمة رئيس وزراء إسبانيا الحالي في اتهاماته لزعيم المعارضة وأوصافه ونعوته التي نعته بها، وردود زعيم المعارضة عليه، وما تم كشفه من انعدام الأدلة المادية التي تمتلكها الولايات المتحدة وتقدمها لحلفائها، أو من تريد منهم أن يكونوا حلفائها، تكشف عن العديد من الحقائق: أولا: أن الولايات المتحدة لا تملك دليلا ماديا واحدا ضد العراق، وان لديها أسبابا أخرى لشن هذه الحرب على العراق بالذات لا علاقة لها بما تعلنه، بل لديها مخططات استعمارية تريد تنفيذها على الطريقة التي اعتاد عليها الأميركيون منذ أن وطأت أقدامهم ارض العالم الجديد: اتهام الذئب للحمل بتعكير الماء. وهي سياسة مارسها أجداد جورج دبليو بوش مع الهنود الحمر إلى أن تم القضاء عليهم تماما، ثم فعلوها مع المكسيك حتى استولوا على نصف أراضيها لتصبح أميركا الشمالية خالصة لهم، وبعدها مزقوا بقايا الإمبراطورية الأسبانية في أميركا اللاتينية عام 1898، وانتزعوا منها كوبا والكاريبي والفلبين من خلال اختلاق حادث غرق سفينة أميركية في الميناء الكوبي، واتهمت الولايات المتحدة الجيش الإسباني بإغراقها لتبرر عدوانها، وتبين بعد ذلك أن من أغرقها هم الأميركيون أنفسهم ليفجروا حربا كانوا يريدونها للقضاء على النفوذ الإسباني في أميركا اللاتينية. ثانيا: ان الولايات المتحدة لا تريد حلفاء ولا أصدقاء في أوروبا، بل تريد تابعين، عليهم أن يسيروا في ركابها دون طرح أسئلة أو تساؤلات، لأنهم ليسوا شركاء في أي شئ بل هم أدنى مستوى، ويجب أن تكون علاقتهم بالولايات المتحدة علاقة التابع بالسيد. ثالثا: من اتخذوا موقف رئيس الوزراء الإسباني، ومن قبله رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، أو بيرلسكوني، ووقعوا على وثيقة تأييد جورج بوش قبل أيام ليسوا سوى تابعين، وأنهم وقعوا صك خضوعهم للرئيس الأميركي دون أن يقدم لهم الدليل المادي على اتهاماته للعراق، لأنه إذا كان رئيس الوزراء الإسباني لم يشاهد دليلا واحدا قدمته له واشنطن، وهو الذي يعلن عن صداقته وتقربه من جورج بوش وبطانته، فانه من المؤكد أن غيره من الموقعين على وثيقة التأييد وقعوها تنفيذا لأوامر سيد البيت الأبيض، الذي لا يملكون رفضا لطلباته. رابعا: ان الخطط الأميركية ماضية في طريقها لتنفيذ مخطط استعماري معد مسبقا، و11 سبتمبر لم يكن سوى الذريعة التي عجلت بتنفيذه، وليس هناك من خيار آخر للحرب ضد العراق سوى الحرب، ولكن يكون التساؤل بعد تلك الحرب عن إحلال السلام، بل سيكون عن من يصيبه الدور بعد العراق، والمحللون السياسيون يرشحون أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة العربية قبل غيرهم ليستقبلوا القوات الأميركية كراهة أو طواعية، لأن الخريطة مرسومة لإبادة كل ما يمكن أن يكون له صوت عربي تكريسا لهيمنة إسرائيلية كاملة. أما من يحلمون أن يكون العراق مقدمة لإجبار آخرين على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وبشكل خاص إسرائيل التي لم تنفذ أي قرار من القرارات التي تدخل طرفا فيها، فهم واهمون، وربما يكونون الضحية القادمة للجيوش الأميركية المسلحة بكل أنواع أسلحة «الدمار الشامل» (!). ـ كاتب مصري