الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 هل ثمة واجب أخلاقي، أو قانون اجتماعي او قاعدة علمية تقول: من أراد ان يحافظ على وقاره فلا يضحك عند سماعه لأي نكتة ولا يقبل بوصولها إليه؟ وهل هناك قانون رسمي يجرم الذين يرسمون الضحكة على وجوه الناس، ويصنفهم على انهم مغرضون فاسدو النوايا معوقون للنشاط الاجتماعي، ويعانون من البطالة المقنعة؟ وبالمقابل: هل يفقد الشخص الذي يتفاعل مع الموقف الضاحك ويستجيب للنكتة النظيفة شيئاً من احترامه و(بريستيجه) ويفقد شيئاً من المزايا (المهمة) التي يوفرها الجد الصام، والملاح القاسية، والرفض حتى آخر رمق للضحك وللأشخاص المؤمنين بدور الابتسامة والفكاهة في التقريب بين الناس ورفع المعنويات وازالة الحواجز الوهمية التي تعيق نمو العلاقات الانسانية على النحو الصحيح!! للوهلة الاولى فإن هذه الاسئلة لا تحتاج الى جهد عقلي خارق ليجيب عنها المرء اجابة يرضاها المنطق وترحب بها الحياة. لكن هذه الاسئلة ـ تمثل لدى فريق آخر ـ مشكلة صعبة لم يتوصلوا الى حلها حتى اللحظة الراهنة رغم انهم يفكرون في الوصول الى اجابة شافية لها منذ سنوات، لكن فساد مزاجهم منعهم من الوصول الى ما وصل اليه الاشخاص الاسوياء. اما عن سبب هذه العقد التي تحتشد في داخل نفوسهم وتمنعهم من التواصل الايجابي مع المواقف المختلفة من الحياة فلأن لديهم منطقاً معكوساً قلب الحقائق الى الأوهام ونثر فوق الورد اشواكاً لا تقبل بها الورود ولا تتمنى اللقاء بها. يقول منطقهم الغريب: انتم مهمون جداً ومميزون جداً، ولكم منزلتكم الاجتماعية الكبيرة، ولو تبسطتم مع هذا وذاك فستفقدون هيبتكم، وسيتطاول عليكم السفهاء من الناس، وستسقط هذه المنزلة التي لكم في القلوب!! ثم يزيدهم هذا المنطق الساذج خوفا وقلقاً وهما على همهم فيقول لهم: احذروا من الابتسامة!! فما طارت الكراسي ولا ضاعت الاموال، ولا جلب التصدع إلا التبسط والتواضع. ثم يرفع ذلك الصوت الداخلي الزائف نبرته قائلاً: ان شئتم ألا يحترمكم الناس فاضحكوا معهم، وان شئتم ان تخسروا امتيازاتكم وتفوقكم على الآخرين فأظهروا التواضع واللين؟! ورغم ان القارئ الكريم سيرفض ـ دون شك ـ فكرة الاقتراب من هؤلاء المرضى الا ان الحياة تجمعنا ـ رغماً عنّا ـ مع أشخاص أقزام الى هذا الحد!! ما جرهم الى هذه القطيعة الواهية السبب مع المحيطين بهم الا عقدة الاستعلاء التي تسبب نقص الثقة بالنفس في ظهورها وتكونها!! لقد تكونت عقدة النقص لدى هؤلاء الاشخاص لأنهم اعتمدوا اعتماداً كلياً على الجاه الزائف، والقوة المادية المحضة التي لم تصلهم نتيجة امتياز شخصي او جهد مبذول منحوه لأهداف عليا سعوا لنيلها، وانما وصلت اليهم عن طريق الوراثة او الواسطة او القدرة على التصنع والرياء والتزلف من اصحاب الجاه والسلطان. ولذلك فإن هؤلاء الاشخاص هم اعرف الناس بحقيقة مواهبهم المزيفة، وتميزهم الكاذب وقوتهم الوهمية. وهم اعرف الناس كذلك انهم لو ألغوا السدود والقيود في تعاملاتهم مع الآخرين فإنهم سينكشفون امام اي شخصية لها قدر من التميز الحقيقي والوعي والادراك، فلا زاد لهم من الثقافة والمعرفة يظهرهم بمظهر الحاذق الذي يعرف كل شيء، والممتلئ حكمة وعلماً من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه!! لقد حرموا انفسهم من مفاهيم غاية في البساطة والوضوح. وجرّوا على انفسهم من الآلام النفسية فوق ما يحتملون. والسبب تلك النرجسية الزائفة، والخوف من التعامل الطبيعي الذي يخشون منه أشد الخشية، خانتهم مفاهيمهم السلبية، وخذلتهم معارفهم الاولية، وسحبوا البساط من تحت أقدامهم لصالح الآخرين الذين تفوقوا عليهم بتلك الطلاقة والبشْر، الذين تركوا التصنع، وارتقوا عالياً في حب الناس والالتفات الصادق إليهم.