الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 ـ قال أحدهم: كان عندنا بالمدينة رجل قد كثر عليه الدين حتى توارى عن غرمائه، ولزم منزله، فأتاه غريم عليه شيء يسير، فتلطف حتى وصل إليه، فقال له: ما تجعل لي إن أنا دللتك على حيلة تصير بها إلى الظهور والسلامة من غرمائك؟ قال: أقضيك حقك وأزيدك بما عندي مما تقر به عينك، فتوثق منه بالأيمان، فقال له: غداً قبل الصلاة مر خادمك يكنس بابك وفناءك، ويبسط على دكانك حصراً، ويضع لك متكأ، ثم اجلس، وكل من يمر عليك ويسلم تنبح له في وجهه، ولا تزيدن على النباح أحداً كائناً من كان، ولو كلمك أحد من أهلك أو خدمك أو من غيرهم أو غريم أو غيره حتى تصير إلى الوالي، فإذا كلمك فانبح له، وإياك أن تزيده أو غيره على النباح، فإن الوالي إذا أيقن أن ذلك منك جد لم يشك أنه قد عرض لك عارض من مس فيخلي عنك، ففعل، فمر به بعض جيرانه فسلم عليه، فنبح في وجهه، ثم مر آخر ففعل مثل ذلك حتى تسامع غرماؤه، فأتاه بعضهم فسلم عليه فلم يزده على النباح، ثم آخر وآخر، فتعلقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله الوالي فلم يزده على النباح، فرفعه معهم إلى القاضي فلم يزده على ذلك، فأمر بحبسه أياماً وجعل عليه العيون، فملك نفسه وجعل لا ينطق بحرف سوى النباح، فلما تقرر ذلك عند القاضي أمر غرماءه بالكف عنه، وقال: هذا رجل به لمم، فمكث ما شاء الله تعالى ثم إن غريمه الذي كان علمه الحيلة أتاه متقاضياً لعدته، فلما كلمه جعل لا يزيد على النباح فقال له: ويلك يا فلان، وعلي أيضاً وأنا علمتك تلك الحيلة، فجعل لا يزيده على النباح، فلما يئس منه انصرف غير آمل فيما يطالبه به. ـ من أخبار الملوك يروى أن ملكا أمر أن يصنع له طعام، وأحضر قوما من خاصته المقربين، فلما مد السماط أقبل الخادم وهو يحمل على كفه صحنا فيه طعام، فلما قرب الخادم من الملك شعر بالهيبة فضعف فوقع من مرق الصحن شيء يسير على طرف ثوب الملك فأمر بضرب عنقه، فلما رأى الخادم العزيمة على قتله صب جميع ما كان في الصحن على رأس الملك. فقال له الملك غاضبا: ويحك! ما هذا؟ فقال الخادم: أيها الملك إنما صنعت هذا شحا على عرضك وغيرة عليك لئلا يقول الناس إذا سمعوا ذنبي الذي تقتلني به: قتله الملك في ذنب خفيف لم يضره، وأخطأ فيه العبد فلم يقصده، فينسب إليك الظلم والجور، فصنعت أنا هذا الذنب العظيم لتعذر في قتلي وترفع عنك الملامة. فأطرق الملك مليا ثم رفع رأسه إليه فقال: يا قبيح الفعل يا حسن الاعتذار، قد وهبنا قبيح فعلك وعظيم ذنبك لحسن اعتذارك... اذهب فأنت حر. أبو صخر