الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 تسلم الكونغرس الاميركي يوم الاثنين الماضي مشروع ميزانية العام المالي المقبل والتي تبلغ 23,2 تريليون دولار عداً ونقداً، وفي اسطر من هذه الميزانية الخرافية للقوة العظمى في العالم يوجد رقمان يخصان الشرق الاوسط : 30 مليون دولار لانشاء محطة تلفزيونية تبث بالعربية وتوجه للعالم العربي، و 145 مليون دولار لتمويل مبادرة الشراكة في الشرق الاوسط التي اعلنها كولن باول. الولايات المتحدة ليست حمقاء وبوش ليس غبيا، الولايات المتحدة وبوش مسكونان بجنون العظمة وأحقاد الحروب الصليبية وأساطير التوراة المعجونة بالاحلام الصهيونية، وحينما تطلق الولايات المتحدة المحطة الاذاعية «سوا» والـ «CNN» باللغة العربية فهي لا تقدم لنا خدمات ترفيهية وموسيقية عالية المستوى، كما انها لا تفكر في تثقيفنا سياسياً والتبرع لنا بحرية الرأي وتدفق المعلومات والوصول للخدمة الخبرية الجيدة والتحليل السياسي الرصين، انها تواصل عملية خداعنا بكل الوسائل المتاحة! لماذا نعتبر مساعي الولايات المتحدة شكلا آخر للخداع؟ هل هي الرومانسية والعداء لكل ما هو اميركي هما اللذان يجعلاننا ننظر للتحرك الاميركي باتجاه (دمقرطتنا) واتاحة كافة اشكال وادوات الاعلام المتطور بين ايدينا على انه خداع، ام أن اميركا تخدعنا فعلا بعد ان عجزت عن غسل ادمغتنا تماما؟ ان الولايات المتحدة تريدنا كشعوب (بعد ان نفضت ايديها من الانظمة كما تعلن) ان نسير في ركابها مؤمنين بأهدافها وتحركاتها في المنطقة الاكثر سخونة واهمية وتفريخا للجماعات الاصولية المتدينة او من يحلو لاميركا ان تسميهم بالارهابيين، وبما انها فشلت تماما في تحقيق هدف تجييرنا لصالح اهدافها ولذلك اسباب معروفة فانها لم تيأس وما لم تحققه بالمباشرة ستحققه بالخداع والقناعات التي تتسلل بنعومة وهدوء عبر موجات اثير (سوا) وتحاليل الـ (CNN) وبرامج المحطة الجديدة التي ستنشأ بـ 30 مليون دولار، وبالبرامج السياسية والثقافية وبالدورات والزيارات وعمليات التدريب على الانتخابات و .. الخ التي يتضمنها مشروع الشراكة الذي اعلنه كولن باول منذ عدة اسابيع. ولكن لماذا فشلت اميركا في اقناعنا بأهدافها وسياساتها في المنطقة؟ الاجابة لا تحتاج إلى إعمال ذهن؟ فأميركا التي لبست مسوح دعاة السلام ونصبت نفسها الراعي الاول لعملية سلام الشرق الاوسط بين العرب و (اسرائيل) فشلت تماما في هذه المهمة فتركتها لملك (اسرائيل) المتوج (شارون) وذهبت لتحقق الهدف الاعظم: محاربة الارهاب وتحقيق السلام والأمن الدوليين فبدأت بأفغانستان فكانت مقبرتها الاخرى وفشلها الاكثر دويا، وها هي اليوم تعد العدة لضرب العراق لتحقيق الهدف ذاته المعلن: تجريد صدام من اسلحة الدمار الشامل، واحلال السلام في منطقة الخليج بالقضاء على خطر صدام على جيرانه .. وحتى هذا الهدف صار مكشوفا ولم تنجح في تحقيقه ليس معنا فقط، بل حتى مع حلفائها في القارة الاوروبية. فشل في فلسطين، وآخر في افغانستان، ومأزق في العراق، والقضية لا تحسمها القوة فقط، فالكل يعلم أن قوة اميركا تستطيع ان تحسم اي صراع في اي مكان . لكن السياسة ليست قوة عسكرية ضاربة فقط ... والا ما كانت كل هذه المشاورات واللقاءات ومحاولات اختراق الذهنية العربية (الشابة) تحديدا، والتي ترى فيها الولايات المتحدة الخطر الكامن والاشبه بالقنبلة الموقوتة التي يجب ابطال مفعولها بأية وسيلة! اذاعة (سوا) و الـ (CNN) باللغة العربية، والمحطة الجديدة ومشروع الشراكة والديمقراطية وكل هذه الملايين من الدولارات ما هي الا مسارعة في ابطال مفعول القنابل التي تفرخها المنطقة العربية المختلفة والغارقة في حكم انظمة ديكتاتورية طالما رعتها اميركا وحالفتها وايدتها ضد شعوبها ولعقود طويلة، فاذا بها تكتشف اخيرا فداحة الثمن وتشرب السم ذاته الذي شربته شعوب تلك الانظمة، وكان اول الغيث هجوم الحادي عشر من سبتمبر!!