الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 هل بوسع الدول العربية منع الولايات المتحدة من شن الحرب على العراق؟ الاجابة الفورية البدهية هي بالطبع لا، إذا كان المقصود بالمنع في هذا السياق هو استخدام قوة الردع المادية. لكن من المتاح للدول العربية مجتمعة حشد قوة دبلوماسية مسنودة بقوة أخلاقية سوف تضطر الولايات المتحدة دون شك للتوقف والتفاهم.. علماً بأن الولايات المتحدة باتت تعتمد في اصرارها على خيار الحرب في غياب دعم دولي إجماعي، على التأييد العربي. ان الموقف العربي حتى الآن مريب، فالدول العربية تتحاشى مخاطبة «الفتوة» الذي يشحذ سكينا استعدادا لاستخدامها، بينما تخاطب الضحية المرتقبة وكأن الضحية هي التي تتحمل مسئولية مصيرها المتوقع. بينما يتعاظم الحشد الحربي الأميركي على خلفية استمرار نشاط فرق التفتيش الدولي داخل العراق فإن غالبية الحكومات العربية تطلع علينا من حين لآخر بتصريح يتكون من جملة تقريرية وأخرى استدراكية فتقول مثل هذه التصريحات «يجب تجنيب المنطقة أي حرب» لتنتقل بعد ذلك مباشرة إلى إلقاء عبء مسئولية «التجنيب» لا على الطرف الأميركي وانما على العراق. وعندما نقول ان هذا الموقف مريب فلأنه بلا معنى. فالحكومات العربية تحرص على ألا تقول ما هو المطلوب على وجه التحديد والدقة من العراق لكي «يتجنب» وقوع الحرب. ان غاية ما تذهب إليه الحكومات العربية في هذا الصدد من قبيل الشرح هو مطالبة السلطات العراقية بالتعاون مع فرق التفتيش وكأن هذا التعاون غائب تماماً. ان المسئولين الدوليين عن عملية التفتيش، هانز بليكس ومحمد البرادعي إذ يطالبان بغداد بالاجابة عن بعض الاسئلة التفصيلية فانهما لا يقولان ان العراق لا يتعاون. بل ويحرص هذان الرجلان في معرض اشادتهما بالتعاون العراقي ـ مع طلب «المزيد» من التعاون، على التنبيه بأن ما يلمسان من تردد عراقي في الاجابة عن اسئلة محددة لا يستدعي شن حرب على العراق. فماذا تطلب الحكومات العربية إذن بصورة محددة؟ أن المشكلة هي ان العبارات اللفظية الواردة في التصريحات والبيانات العربية لا تعكس الموقف العربي الرسمي على حقيقته.. بل العكس.. فان المقصود هو إخفاء هذا الموقف بتغليف لفظي. فالدبلوماسية التقليدية العربية لها باطن كما لها ظاهر. فالموقف الرسمي الحقيقي تجاه أي قضية يتخذ داخل غرف محكمة الاغلاق بينما ما يذاع وينشر شيء مختلف. وإذا كانت هذه الظاهرة العربية تبدو غريبة فانها ليست كذلك لأنها تتصل بطبيعة نظم الحكم في العالم العربي عامة. فالازدواجية الدبلوماسية تعكس غياب الشفافية.. وغياب الشفافية بدوره يعكس غياب الديمقراطية بما تتضمن من نظم المساءلة والمحاسبة. وعندما نقول انه متاح للعمل الدبلوماسي الجماعي العربي ان يبتدر تحركا جادا يمكن ان يكبح جماح الولايات المتحدة، فليس القصد أن هناك أملا مبنيا على معطيات واقعية بأن النظام العربي الرسمي تتوفر له فعلا إرادة الفعل الجسور في التعامل مع الإدارات الأميركية بشأن القضايا العربية الخطيرة كقضية العراق، وإنما القصد هو أن يتبين الجمهور العربي مدى غياب هذه الإرادة العربية. فنحن في هذا السياق نتحدث عن «الممكن فعله» وليس «المتوقع فعله». ولنأخذ مثالاً. ان المفترض أن محور القضية العراقية المطروحة يتمثل في اسلحة الدمار الشامل. الولايات المتحدة «تؤكد» بأن العراق يمتلك مثل هذه الأسلحة.. لكنه يخفي امرها على فرق التفتيش. وإذن، وبما أن العراق يرفض نزع أسلحته بالوسائل السلمية فانه لا مناص من استخدام القوة.. ومن ثم يكون خيار الحرب. فما هو المتاح للعمل الدبلوماسي العربي هنا؟ ليس المطلوب أن تدخل الدول العربية في صدام رأسي مع الولايات المتحدة، على العكس: تؤيد الدول العربية الموقف الأميركي من حيث «المبدأ».. لكن ـ وهي «لكن» مهمة ـ يطلب العرب توسيع تطبيق المبدأ ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.. بما في ذلك اسرائيل. على هذا الأساس تقوم الدول العربية مجتمعة بوضع مشروع قرار ليقدم إلى مجلس الأمن الدولي ينص على ارسال فرق تفتيش إلى اسرائيل لتفحص كل المنشآت الاسرائيلية المشتبه فيها على غرار ما يجري حاليا في العراق. ونستطيع ان نتخيل شيئا من ردود الفعل داخل مجلس الأمن الدولي. فبينما تتسابق قوى دولية إلى تأييد المبادرة العربية فإن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها في موقف حرج. وقد ينتهي الأمر إلى مساومة تتمثل في إصدار بيان جماعي عن مجلس الأمن «يناشد» الدول التي تملك اسلحة دمار شامل ان تتخلص منها «طوعا».. ويغلق الملف العراقي. ولكن نعود إلى السؤال: أين الإرادة؟