الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 العبد لله لم يتجول على طريق السويس منذ عام 56 عندما زرت السويس آخر مرة، وسافرت اليها في سيارة نقل وبصحبتي وزير الشئون الاجتماعية وقد قطع الطريق علينا نقطة تفتيش الكيلو 99 وكانت تحت سيطرة القوات البريطانية واحتجزوني في غرفة بالمعسكر ظنا منهم أنني طالب وفي طريقي الى السويس للانضمام الى فرق الكفاح المسلح ولم يطلقوا سراحي إلا بعد أن تأكدوا بأنني صحفي. ثم قاموا باحتجازي في غرفة خالية وعندما طلبت منهم سجائر طلبوا مني أربعة قروش مصرية وذهب الجندي البريطاني واشتري لي علبة سجائر انجليزية ماركة بلير، وبعد أن انتهيت من تدخينها أطلقوا سراحنا وكان معي ثلاثة صحفيين من السويد كلفني مدير مكتب وزير الداخلية بمصاحبتهم الى المدينة وضمان دخولهم وعدم المساس بهم ونجحت في الوصول بهم الى أبواب مدينة السويس، ولكن عسكري البوليس الذي يحرس باب مدينة السويس رفض السماح لهم بدخول المدينة زاعما أنهم انجليز، وفي النهاية اتصلت بحكمدار المدينة وحكيت له الحكاية فطلب مني أن يتحدث شخصيا الى العسكري. وبعد حوار طويل بين العسكري والحكمدار حاولت دخول المدينة مع الصحفيين الثلاثة لكن العسكري اعترض ورفض السماح لنا بالدخول، وعندما قلت للعسكري ألم يأمرك الحكمدار بتسهيل دخولنا رد علينا العسكري قائلا (إشعرفني إن اللي كان بيكلمني الحكمدار يمكن يكون واحد صاحبك). والأسبوع الماضي سرت على نفس الطريق واكتشفت انه طريق جديد وليس له علاقة بالطريق القديم، على الجانبين قامت عدة مدن جديدة ولكن الهم استولى على العبد لله بعد أن تجولت على أنحاء الطريق واكتشفت أن المدن كلها ليس فيها ساكن واحد وليس بها إلا بعض أشجار النخيل المزروعة على بواباتها، وتساءلت ولماذا الطوب والقزاز والأبواب الخشبية التي تزدحم بها هذه المدن، وإيه حكاية المجتمعات الجديدة والخروج من المدينة الى الصحراء وتعميرها مع أن المسألة كلها مجرد همبكة وليس شيئا آخر، الشيء الوحيد الجميل على الطريق هو المقبرة الكبيرة التي تضم شهداء الجيش الثالث الميداني الذين استشهدوا في حرب أكتوبر المجيدة، أما المدن الجديدة فهي مجرد أكذوبة ولا توجد مدينة حقيقية في الصحراء إلا مدينة العاشر من رمضان وما عداها مجرد أكاذيب، وتذكرت عثمان أحمد عثمان ـ رحمه الله. وقد هاجمته مرة في نقاش لأنه لم يساهم في اقامة مجتمعات جديدة في صحراء الاسماعيلية وأذكر أنه ـ رحمه الله ـ قال لي: ـ عاوزني أسكن في جبل، اللي في المدينة يقدر ينزل نص الليل يجيب بقرشين جبنة وبقرش عيش لكن هينزل في الجبل ده يلاقي إيه. ولم أقتنع يومها بمنطق عثمان أحمد عثمان ولكني اقتنعت به الآن وقرأت الفاتحة على روحه وأدركت أنه ليس من المصلحة إنشاء مدن فارغة تحت شعار إنشاء مجتمعات جديدة لأن المجتمع الجديد هو أن يكون مجتمعا يضم ألوفا من البشر ويجمعهم في مدارس وفي مستشفيات وملاعب وغيرها، أما إنشاء بعض المساكن الفارغة فهي لا تعني شيئا سوى إنشاء خرابات جديدة لا يستفيد منها أحد إلا البوم والغربان وشد انتباهي عدد من أشجار النخيل زرعت على أبواب كل مدينة ولكن حتى النخيل المتواجد لا يطرح بلحا ولا خلافه، أرجو من الرئيس حسني مبارك أن يقوم بجولة على هذه الطرق الصحراوية التي تزدحم بهذا النوع من المجتمعات الفياسكو واقترح أنه يصبح أفضل لو بدأنا بإنشاء خدمات في هذه المدن قبل البدء في إنشائها ولا شك أن إنشاء مثل هذه المدن يخفف الهجوم على الأرض الزراعية التي أخذت في التناقص تحت زحف البشر وأطماعهم واقامة البيوت التي أطبقت على الطريق الدائري بالقرب من كرداسة وعلى مقربة من الطوابق وغيرها من النواحي ولا يكفي أن تقيم عدة بيوت فارغة لأن تقول إننا بنينا مدينة أو أنشأنا مجتمعا جديدا لأن بعض المدن الجديدة على طريق السويس هي مجرد معتقلات وإن خلت من الحراس والعساكر وهي أشبه بسجن المحاريق في الواحات الخارجة الذي نزلت فيه عدة أشهر في سنة 59 وأذكر أنه في عام 59 كان أحد المقاولين يستعين بعمالة من أبناء الجنوب وكان يقيم لهم معسكرا بجوار سجن الواحات الخارجة وذات يوم حمل العمال امتعتهم وذهبوا الى السجن وطلبوا من المأمور أن يسمح لهم بالسكن في القصر وكانوا يقصدون بالقصر السجن لأن المعسكر الذي ينامون فيه لا يصلح للاقامة أو النوم وسمح لهم المأمور ودخلوا السجن وكان السجن بالنسبة لهم حلما من الأحلام وكان دخول هؤلاء العمال عاملا مخففا لنا فاحتملنا البقاء في السجن وتوقفنا عن الشكوى لأن هناك بشرا عاديين تنازلوا عن حريتهم بمزاجهم وفضلوا البقاء في السجن باعتباره أفضل حالا من المعسكر الذي أقامه المقاول لهم. والحقيقة ان السجن الذي كنا فيه كان أفضل حالا فعلا فكان به حمامات ومستشفى وكان عامرا بكل ما يحتاجه المرء في مثل هذه الحياة، وكان العمال سعداء بوجودهم في القصر حيث يوجد كهرباء وحنفيات ودورات مياه ومستشفى به أطباء وممرضون وأدوية لعلاج المرضى وبه اسطوات ومطابخ وأفران لانتاج الخبز وهي أشياء تساوي أن نرفع السجن الى قامة القصر على رأي العمال الغلابة! صحيح أن المدن كالناس بعضهم يدركه الحظ فيصبح من السعداء وبعضهم يعاديه الحظ ويخاصمه فيصبح أعوذ بالله، نسأل الله أن نرى المدن الجديدة في بر مصر عامرة بأهل مصر وأتمنى على الله ولا يكتر على الله أن تكون هذه المدن في شكل وهيئة مدينة العاشر من رمضان التي هي درة وعروس المدن الجديدة!!