الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 منذ يومين تحدثنا عن اهمية الانتماء للمؤسسة لكي يتحقق نوع من الانتاج الكيفي الذي يضمن لها مكانة مرموقة في المجتمع. واليوم نتحدث عن بعض الشواهد والادلة التي تؤكد وجود تلك الرابطة او انتفاءها عن الاجهزة الادارية في مؤسسات العمل المختلفة. فالانتماء للمؤسسة ليس مجرد شعار يرفعه البعض ليغطي به على ضعفه النفسي، ورغبته في ادارة العمل بالطريقة التي تعجبه بغض النظر عن مدى كفاءة تلك الطريقة وجدارتها لان تنجز مطالب التميز وتحقق الاهداف النوعية المعلن عنها، بل ان تجويد الاختيارات لصالح المجال الوظيفي هو دليل المصداقية المهنية، والالتزام الاخلاقي بمباديء شرف المهنة. كما ان الاصرار على تحكيم الامزجة والاهواء في تحديد مسارات العمل هو انتكاسة اخلاقية لا يرضاها الشرفاء من الناس اولئك الذين وضعوا مصلحة العمل فوق كل اعتبار، الذين آمنوا ان تحقيق الاهداف الطموحة يحتاج الى خطوات مدروسة ومنهجية ليس للاهواء الشخصية فيها مكان، لا تقبل بالارتجال ولا بانصاف الحلول. اولئك الذين يتعاملون بحساسية شديدة مع الزمن، ويحصرون الموارد البشرية والمادية على نحو يقطع الطريق امام التقديرات الخاطئة والمفاجآت غير المرغوبة. لكن ما يستدعي القلق هو الخلخلة الحاصلة في بعض الانظمة الادارية المعمول بها في مجتمعاتنا مما يحول دون نمو المؤسسات التي ترتبط بتلك الاجهزة نموا يؤهلها لاستلام شهادة الانجاز من المجتمع العام. تجرنا هذه المسألة الى توضيح العلاقة التبادلية بين مخرجات العمل المؤسسي ـ بغض النظر عن طبيعته وصفته ـ وبين نوعية الخدمة التي يرضى بها الجمهور. فالضعف في مستوى خدمة احدى المؤسسات يولد حالة من التراجع في مطالب الجمهور، وانخفاض المطالب والشروط يولد حالة من الفتور والرضا بما هو متوفر وموجود بدلا من الاصرار على ما هو اجود وافضل وأليق بمستوى الخدمات المقدمة على اختلاف انواعها وصورها. وكلما كثر عدد المؤسسات المنخفضة الفاعلية، المحدودة التأثير، التي ليس لديها قابلية النمو والتطور كلما تراجع مؤشر الاحساس بقيمة الاتقان، والتجويد في الاعمال لدى شرائح متعددة من الناس. والخاسر الاكبر في تراجع مستوى الاداء هو المجتمع بأكمله وليس المؤسسة وحدها التي تصالحت مع الرتابة والجمود، وادارت ظهرها للنجاح الذي وجدته باهظ الثمن مرتفع التكاليف! وما نلاحظه اليوم من سيادة مفاهيم التواكل وغلبة روح التأفف، والضجر عند اداء المهام الرسمية، وفقدان الدافعية نحو الانجاز، وتراجع تقدير قيمة العمل في حياة الفرد الا نتائج طبيعية لسياسات فاشلة ونظم ادارية مترهلة لا تحسن اختيار القواعد المؤهلة لتحفيز الموظفين على الاداء الجيد، ورفع مستواهم المهني ودفعهم للعمل بروح الفريق. بقي ان نشير الى صفة اخرى من الصفات السلبية التي تلازم الاداريين المحدودي الرؤية وتتمثل في هروبهم من تحمل تبعات اخطائهم، وقراراتهم المرتجلة وخططهم العشوائية التي ثبت فشلها وعقمها وعجزها عن الاضافة الى المؤسسات التي يعملون بها. ولو اصغى هؤلاء الى الرسائل الواضحة التي تعبر عنها النتائج المحدودة لمؤسساتهم لعلموا ان المشكلة الكبرى ليست في حجم الهدر في الموارد البشرية والمادية، وليست في تراجع موقع المؤسسة فحسب، وانما المشكلة الكبرى هي في عدم اكتشاف حجم الاخطاء التي تسببت ادارتهم الفاشلة في حدوثها. وما الاصرار على الهروب من مواجهة الذات، والتغافل عن رؤية الاخطاء الشخصية الا مؤشر على ان الادارة التي يعملون بها ستنزلق نحو مزيد من الممارسات السلبية التي تكرّس الفشل وتؤسس على نحو مثير للتقزز والاستياء ما يؤدي بالضرورة الى مطالبة الاجهزة الرقابية في الوزارات المختلفة الى التدخل وانقاذ ما يمكن انقاذه. فليس وجود الطبيب غير المتمرس يمثل وحده الخطر على حياة الناس، وليس وجود المعلم غير المؤهل يستدعي وحده الخوف على تحصيل الطلاب، انما كل من يتولى مسئولية ويعجز عن الوفاء بها رغم توفر الفرص لتنمية خبراته ومهاراته يجب ان يرحل او يرحّل طوعا او كرها! هذا اذا كنا جادين في ضخ دماء الحياة الى كل مرافقنا واجهزتنا العاملة. هذا اذا كنا نرغب ان تدور عجلة الزمن لصالحنا من جديد. ان امامنا خيارا واحدا اذا ما اردنا النمو والتطور هو ان نواجه الضعف ونرفضه ونقصيه عن دائرة الفعل والتأثير.