الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 من بين عشرات الالفاظ والتعابير التي افرزها العصر الحديث وتسللت الى ألسنتنا وحواراتنا رغم عدم اي جذور لها في قواميس اللغة العربية، الا انها بحروفها البسيطة استطاعت ان تكون أقوى تعبيرا وفصاحة من عشرات الكلمات الفصيحة التي لم يتصور اجدادنا واجداد اجدادنا ان هناك ما هو افصح واصدق منها، من بين هذه الكلمات المنحوتة والمستجدة كلمتان فقط ارى انهما تلخصان حالنا المعاصر سياسيا وفنيا ورياضيا وثقافيا اصدق تعبير، باختصار.. الكلمتان هما (العك).. من: (عك.. يعك.. عكا)، و(الطناش).. من: (طنش.. يطنش.. تطنيشا).! ـ اذا نظرنا الى حالنا ووضعنا العربي سياسيا نجد انه يتراوح.. ومنذ سنوات طويلة بين (العك) و(الطناش)، هذان الحرفان اليتيمان (ع) و(ك) لخصا ببساطة شديدة وموجعة حال سياستنا العربية تجاه كل ما يجرى في المنطقة، كل قراراتنا ومواقفنا القممية وغير القممية لا تجد تعبيرا اقوى ولا اصدق من (العك) يلخص مضمونها ويكشف حجم الخيبة العربية في مواجهة الشطارة الصهيونية التي لا تعرف حرف العين ولا حرف الكاف لحسن حظها.. ولسوء حظنا! (العك العربي).. طال ايضا العلاقات العربية العربية، فهي يوما (فوق).. وأياما (تحت)، اياما (سمن على عسل).. واحيانا (هباب على طول)، والخلاف دائما ليس خلافا على المواقف او على القرارات العربية، بقدر ما هو خلاف في اغلب الاحوال شخصي، يتوقف على استلطاف هذا الحاكم لذاك.. او اشمئناط ذاك الحاكم من ذاك.. ومن ثم يكون على الشعب في هذا البلد ان يستلطف الشعب في الآخر او يشمئنط منه وفقا لمزاج الحاكم هنا او هناك، ويكون على الاعلام (صوت العرب الموجه فقط الى العرب) ان ينشد قصائد المدح او يردد اشعار الهجاء في هذا البلد وشعبه وحكامه وسياسته طبقا لترمومتر العلاقات بين حاكم وآخر صعودا وهبوطا، احيانا مدح بلا سبب ظاهر.. واحيانا قدح بلا مناسبة معلنة او واضحة، والسبب دائما في بطن هذا الحاكم او بطن (شقيقه) الحاكم الآخر!، اما السر الحقيقي الذي لم يعد سرا فهو انتصار سياسة (العك) في العلاقات بين العرب وبعضهم.. وهو انتصار لا يعادله او يتفوق عليه! الا انتصارها في كافة علاقاتنا بأصدقائنا قبل اعدائنا.! ـ تأتي الكلمة السحرية الثانية.. (طناش).. من (طنش.. يطنش.. تطنيشا)، وهي البديل الاكثر راحة وأمانا من (العك) الذي يُضطر اليه المسئول العربي حين يستنفد كل امكانيات التطنيش وحين لا يجدي (الطناش) ويصبح المسئول في ورطة لا يحسد عليها تجبره على محاولة اتخاذ اي موقف حتى لا ينكشف امره، ومن هنا يأتي (العك) حين لا يكون الموقف في مستوى الحدث.. ولا في مستوى فخامة ومهابة وموقع المسئول الذي يتمتع دائما بلقب (الكبير)، وحين يأتي الموقف او القرار هزيلا متخاذلا.. لا يهش ولا ينش.. ولا يقدم او يؤخر، وهنا يأتي دور الاعلام الرسمي الذي يقوم بدوره التاريخي في جعل (حبة) المسئول (قبة).. وفي التهويل والتضخيم للقرار الهزيل واعتباره قرارا تاريخيا هز اوساط العالم.. وافردت له صحف الكرة الارضية مساحات اوسع من مساحة اخبارها المحلية، ثم ينتهي الاعلام بتوجيه الشكر والتقدير لصاحب القرار التاريخي الجبار الذي يجب ان يسطر اسمه في سجلات التاريخ بحروف من ذهب.. كل هذا الزخم الاعلامي يأتي للتغطية على كم (العك) الذي يحتويه موقف او قرار المسئول الكبير، والذي جاء بعد استنفاد كل سبل الطناش حتى آخر نفس فيها.! وهكذا.. بين (العك والطناش) تعيش الامة العربية.. وتتقرر مصائر الشعوب العربية.. اليوم (طناش) وغدا (عك) او العكس، وشيئا فشيئا اصبح (الطناش) اسلوبا تلقائيا يمارسه المسئول العربي لا على المستوى السياسي والعمل العربي فحسب، فكل ما يهم حياة الشعب ومتطلباته وضرورات حياته لا يواجه الا بالطناش اكتفاء بتقارير مسئولي دوائر التطنيش الوطني التي تؤكد ان الامن مستتب.. وان (كله تمام) وان الناس لا تكف عن الشكر والامتنان لفخامة الرئيس، ولا تتوقف عن الدعاء له بطول العمر وبالبقاء على كرسى الحكم حتى آخر نفس في هذا العمر، أما اذا طفح بالناس الكيل.. وضاقت بهم سبل الحياة والعيش فانفجر بركان يأسهم وسخطهم فخرجوا الى الشوارع يتظاهرون ويحطمون ويلعنون اليوم الاغبر الذي اتى بالسيد المسئول عبر انتخابات او استفتاءات هم آخر من يشارك فيها او يعلم بها، فهنا نحدد العك الرسمي بادئة عكها بحرب ضروس يجند لها كل عسكر البلد الذين لا يستنفرون عادة الا في مثل هذه المواقف الحرجة التي تهدد امن البلاد والعباد والتي تفوق خطورتها كل حروب اسرائيل والاستعمار، وتبدأ في الشوارع معارك غير متكافئة بين جوعى مدججين بالغضب والثورة وبين جيش جرار مدجج بأحدث مبتكرات الردع والقهر الاميركية، وتحسم المعارك آخر الامر لصالح قوات السلطة المظفرة التي حققت النصر العظيم على قوات الغوغاء والرعاع والتي طالما رفعت رايات النصر في مثل هذه المعارك، ورفعت معها رايات العك السلطوي في العهد السعيد!!