الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 ولت أيام الشعراء الصعاليك السائرين في تيه صحراء الحق، ودانت دولة الشعر إلا قليلاً للمتعلقين بأهداب السلطان وهم وقوف على صخرة رجل الشارع، في مسعى للتوفيق بين الرضا السامي والقبول الشعبي في آن واحد؛ وكأن الشعر لحق به ما لحق بالجنيه المصري من تعويم دولاري هبط بسعره وجعله معلقاً ما بين صعود وهبوط بقوة السوق وتفاعلاته وتلاعبات سماسرة بورصة الأوراق المالية. في زمن قريب نكأ شاعر الشعب بيرم التونسي جراح أمة ابتليت بحاكم «صوري» نصبه السردار البريطاني لاضفاء الشرعية على الاحتلال، ومنحه لقب الملك، وفضح بيرم سوءة الملك فؤاد الأول بقصيدة ما زالت حية في ديوان الشعر، وشُرِّد ونفي إلى فرنسا، مفضلاً الحفاظ على جوهرة الشعر الباقية، زاهداً في جواهر العطاء الزائلة. وفي الزمن ذاته، قضى عباس العقاد تسعة أشهر في السجن عقاباً على العيب في ذات الملك فؤاد، دون أن تنال من عزيمته وقريحته الشعرية وكبرياء المثقف الحقيقي الذي تباهى بقيمته أمام قامة زعامة جمال عبدالناصر وهو يقلده أرفع وسام، مؤكداً ان لكل عصر ما يستحقه من ثقافة ومثقفين. في عصرنا العربي الحديث، دانت دولة الحق للشعراء إلا قليلاً من المداحين والهجائين أو الشتّامين، وكانت أشعار فطاحلهم نبراساً ومهمازاً للحوار، وأحياناً الانتفاض والتحرك الهادر، والقائمة تطول بحيث لا يمكن الاسترسال معها.. من علي محمود طه، وأبوالقاسم الشابي، وعبدالوهاب البياتي، ونزار قباني، وأمل دنقل وأحمد مطر. أما في ديوان العامية العربية، فهناك فؤاد حداد مسحراتي العرب الى إشعار آخر، بشجاعته المتواضعة وزهده الذي لا يجاريه فيه أحد، وعروبته المنقوشة داخل مسام جلده، وقرينه صلاح جاهين بموهبته المتفجرة كنبع لم يفض حتى بعد زلزال نكسة 5 يونيو، وصدمته التي أدخلته في حالة احباط، وهو يعايش فترة عزف لحن الانقضاض على قيم الثورة العربية من وجوه كانت تتعيّش بالمديح على موائد فرسانها. في ديوان العامية العربية أيضاً مظفر النواب الشاعر القادم من العراق ليملأ الساحة العربية تساؤلات غاضبة، بزفرات صدره الشعري، واستشرافات بصيرته التاريخية، حتى وإن خبا بريقه في السنوات الأخيرة مع انحسار أمواج المد العربي، وتحول بحره الى بحيرة آسنة حبلى بتراجعات ومراجعات. هناك ايضاً عبدالرحمن الأبنودي فلاح الصعيد الصاعد مع ظهور حراجي القط عامل السد العالي، وجواباته لزوجته، وحكايات «أحمد سماعين»، وانكساره أمام ثورة السادات المضادة، واضطراره في مشهد درامي خلال استقبال رئاسي له لتقبيل يد السادات، تعبيراً عن مشاعر أبوّة، وظل يدور في حلقة دفاع عن الذات وتبرير أمام منتقديه حتى الآن، لدرجة دفعته إلى دخول خانة الشعراء «الشتّامين» عندما هجا السادات في قصيدة ووصف فيها صوته بـ «العورة» وكأنه يدفع عن نفسه تهمة النفاق بالوقوع في خطيئة شعرية وانسانية بعد فوات الأوان، وهو ليس كذلك، لكنها كبوة جواد الشعر. الشاعر ليس كالسياسي المحترف، ليس مطلوباً منه التقلّب مع عواصف السياسة، بل هو ضمير وصوت للشعب، ينطق بما يعجز المستضعفون في الأرض عن النطق به، وهنا يكمن سر خلود وأقوال شاعر، وان خاصمته أدوات الشهرة، وزالت عنه نعم النجومية، وهذا هو أوضح ما اتصف به الشعراء العرب «الصعاليك» في تراثنا القديم والحديث.