الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 في معادلة الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق، تتسارع وتيرة اللقاءات والحركة الدبلوماسية لاحتواء الكارثة وتقليل فرص الخيار العسكري، كما تتسارع بالتوازي مع ذلك سيناريوهات الحرب وما بعد الحرب او ما يطلق عليه اعلاميا: عراق ما بعد صدام حسين. تبدو الاجابة عن السؤال الآتي: هل ستقوم الحرب فعلاً أم أن احتواءها صار الاحتمال الاقرب حدوثا؟ اجابة صعبة جداً، كما ان طرح السؤال بهذه الكيفية يختزل الحدث الاخطر في تاريخ المنطقة اختزالاً يصعب معه فهم السؤال وليس فهم الاجابة، فالكارثة وكل سيناريوهاتها معقدة اكثر مما ينبغي، ومتداخلة شأن اي حدث له صلة وصل بالخليج ونفوطه وحاضره ومستقبله، وعليه فتفكيك السؤال امر لابد منه، الآن قضية بهذه الخطورة لا يمكن اختصارها بين طرفي نقيض السالب والموجب او الـ «نعم» و الـ «لا»!! (نعم ستقوم الحرب) أو (لا لن تقوم الحرب) هذه اجابات يتبارى فيها الناس وقد يتراهنون عليها بما قيمته مئة درهم!! دون ان يعلموا بأن نتيجة رهاناتهم دمار منطقة، ومليارات الدولارات من خسائر النفط والاقتصاد، وآلاف الارواح البريئة، واعوام من التلوث البيئي، وانواع من الامراض والسرطانات الفتاكة وانهيار لمنظومة دول وبداية النهاية لنظم سياسية قائمة، ولن نبالغ اذا قلنا بأن الجغرافيا ايضا لن تنجو من العبث والتلاعب كحال السياسة والاقتصاد، فهناك دول ستختفي واخرى ستظهر بناء على الاوراق التي تخلطها الادارة الاميركية حاليا. الذين يتفاءلون بعدم حدوث الحرب لا يجيبون عن السؤال المطروح والمهم جدا: اذن لماذا كل هذه الحشود البشرية والآلية وكأن الولايات المتحدة وبريطانيا مقبلتان على حرب عالمية ثالثة؟ والذين يقفون على ارض الواقعية دون تشاؤم بل استنتاجا من كل ما يحدث ومقتنعون بحدوث الحرب بعد بضعة اسابيع لا يجيبون على السؤال الاكثر اهمية: اذن لماذا كل هذه المناورات على طريقة لعبة شد الحبل بين الولايات المتحدة ونظام بغداد اولا، وما بينها وبين الامم المتحدة ثانيا، وما بينها وبين محور المعارضة في الاتحاد الاوروبي والذي تقوده كل من فرنسا والمانيا وفي شرق آسيا كل من روسيا والصين، والدول الاربع هم مجموع دول مجلس الأمن الدائمين اضافة للولايات المتحدة؟ آخر السيناريوهات القادمة من بغداد تقول بأن القيادة العراقية هددت بعمليات انتحارية فيما لو بدأت الضربة العسكرية ضدها، والجالسون على اطراف الالسن يفسرون التصريحات يقولون بأن (عمليات انتحارية) اشارة تحتمل ثلاثة خيارات: اما توجيه ضربة قاصمة للكويت او لاسرائيل او تفجير آبار النفط العراقية البالغ عددها 2000 بئر!! هذا يعني بأن نظام بغداد اسقط خيار المقاومة المسلحة للقوات الغازية (وردها صاغرة وهزيمتها على ابواب بغداد) كما صرح الرئيس صدام ونجله عدي اكثر من مرة، واسقاط الخيار العسكري بالمواجهة منطقي اكثر من مقاومة الغازي الاميركي، ذلك ان صدام وجيشه لن يكونا ندا للترسانة العسكرية بأي حال من الاحوال!! وبما ان الولايات المتحدة تعلم تماما مدى الامكانات العسكرية لجيش صدام، فهي تعلم تماماً بأنها في غير حاجة لكل هذه الحشود لهزيمة القوات العراقية، فلماذا هذه الحشود اذن؟ المحللون العسكريون والسياسيون يشيرون الى ان توزيع القوات الاميركية بهذه الكثافة النوعية والعددية صار الآن محتشدا ومتركزا في كل من العراق وافغانستان ودول الجزيرة العربية، ولهذا الحشد اهدافه التي تتلخص في احتلال العراق وعسكرة ابار النفط منعا لأي محاولة من نظام بغداد لتفجيرها كما حدث عام 1991 في الكويت، الضغط المباشر والمكشوف على كل من ايران وسوريا لتغيير سياساتهما الداخلية والخارجية وخاصة الموقف من حزب الله وتأييد الجماعات الاسلامية والمنظمات التي تعتبرها الولايات المتحدة ارهابية، وهناك هدف مهم جدا يتماشى مع مبادرة باول ويتلخص في الضغط على دول المنطقة من اجل تغيير سياساتها وتوجهاتها فيما يتعلق بالديمقراطية ووضع المرأة وحقوق الانسان .. الخ الوجود الاميركي بكل هذه الكثافة ليس من اجل جيش صدام فقط، فالاميركان قد وضعوا سيناريو احتلال المنطقة موضع التنفيذ وبشكل اخطر مما نتصوره، اما الدوران في دائرة هل هناك حرب أم لا، فهي احدى حلقات اللعبة الاميركية لا اكثر.