الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 علاقة المثقف بالسلطة كانت حاضرة على أشدها في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام. أثارها الحوار الذي دار بين الرئيس حسني مبارك والشاعر جمال بخيت لدى افتتاح المعرض. وذكرنا بحوار آخر كان حاداً بين الرئيس السابق أنور السادات من جهة وكل من عبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين صباحي من جهة أخرى خلال السنوات الأخيرة من السبعينيات. ولأن المثقفين إما أنهم صمتوا أو تم تدجينهم، اكتسب حوار جمال بخيت أهمية خاصة، وكان حديث الأوساط السياسية والثقافية المصرية على امتداد الأيام الماضية، ودفعت تساؤلات بخيت التي أراها «عادية» إلى اثارة الجدل حوله لدرجة ان الرئيس نفسه سأله «انت واخد حبوب الشجاعة؟». كان بخيت يسأل: ماذا لو قرر الحلف الأميركي ـ الصهيوني الالتفات إلى مصر بعد ان يدمر العراق؟ ولأن تساؤلا كهذا لا يمكن الاجابة عليه على لسان رئيس الدولة وخلال حشد كبير كالذي كان موجوداً، حاول مبارك الالتفاف حول السؤال وتغيير دفّة الحديث قائلا: «أنت شاعر.. طيب ما تقول لنا قصيدة أحسن». حالة حمدين وعبدالمنعم أبوالفتوح كانت مختلفة.. وقتها كانا شابين يرأسان اتحاد طلاب مصر، ويستندان الى تيارين سياسيين كبيرين، الأول ينتمي للتيار الناصري، والثاني لجماعة الاخوان. الآن لم تعد هناك تيارات سياسية تحظى بمصداقية السبعينيات. كما كان الرئيس السادات مغرماً بأسلوب استعراضي يدير من خلاله معاركه السياسية مع معارضيه على الهواء مباشرة في مجلس الشعب أو في الاجتماعات الجماهيرية الأخرى، وكانت العافية لاتزال تدب في أوصال المجتمع المصري، حيث التخوف من سطوة السلطة، أو هيبة رئيس الدولة في أقل درجاتهما، ومن ثم فإن طرح أي استفسار أو مواجهة الرئيس بحقائق ما يعتقده الشعب، لم تكن مسألة محل شجاعة كما هو الحال الآن. جمال بخيت سأل عن شأن عام يخص الأمن القومي المصري وينبغي أن يكون الهم الأول لرئيس الجمهورية فيما كان حمدين صباحي وعبدالمنعم أبو الفتوح يسألان اسئلة موجعة ومحرجة عن اختطاف السياسة الخارجية المصرية وحرف مسارها عن الخطى التي رسمها عبدالناصر.. وعن سياسة داخلية تفك يد الدولة عن الاقتصاد وتدفع بالمنتفعين والفاسدين الى التقرب من دوائر السلطة. في حالة السادات كان رئيس الدولة «متهماً» لذلك تعامل بعصبية شديدة مع عبدالمنعم أبوالفتوح قائلاً له: «اجلس.. تأدب.. انت تخاطب كبير العائلة المصرية». وفي حالة مبارك ليس هناك اتهام من أي نوع وإنما مجرد مخاوف يبديها شاعر يقلقه ما يجري ويخشى ان تدور الدائرة على مصر بعد ان تفرغ الآلة الاستعمارية العالمية من العراق. وكان طبيعياً أن يطلب رئيس الجمهورية مقابلة الشاعر على انفراد حتى يشرح له أهمية عدم مناقشة أمر كهذا بشكل علني، ويطمئنه ان الأمن القومي لمصر محل اهتمام السلطة في أعلى مستوياتها.. وان رياحاً عاتية تهب، ومن ثم فإن الشعارات والصوت العالي يضر أكثر مما ينفع. ما يلفت انتباهي في قصة جمال بخيت مع الرئيس مبارك ان المسئول حينما يعير اهتماماً للمثقف فإنه «يحتويه» و«يغير» قناعاته ويجعله يدافع عن السلطة، بعد ان كان قد اتخذ وضعية الهجوم، وان المساحة التي تتركها السلطة بينها وبين المثقفين إنما يحتلها الوشاة الذين يهمسون في آذان الحاكم بالأكاذيب.. ويتقدمون متخطين أعناق الآخرين.. وهؤلاء يدفعون كل مثقف صادق إلى ابتلاع لسانه واحترام نفسه والجلوس في بيته. هذه المساحة الوهمية يجب على السلطة وحدها ان تعبرها لأن المثقف إذا تقدم عبرها فقد ثقة الناس فيه وأراق ماء وجهه. وحينما يكون هدف السؤال الاستفسار عن الأمن القومي لبلد، فلا محل لشجاعة من أي نوع.. ربما يكون جمال بخيت شجاعاً.. لو سأل عن مسئولين فاسدين ضمن دوائر السلطة، أو عن شائعات أخرى خاصة بالتوريث. شخصية الواشي مثيرة لاهتمامي، وكذلك شخصية المسئول الذي يترك أذنيه نهباً لذلك النوع من البشر.. فذلك أكثر ما يكدر علينا حياتنا في العالم العربي، ويجعل الكتّاب يلتزمون الصمت، فكثير من الحكام لا وقت لديهم للقراءة ومعلوماتهم عما يكتبه الكتّاب ويثيره المثقفون تكون شفهية في أغلب الأحيان وعبر المقربين منهم، المتمثلين في مديري المكاتب أو السكرتارية الخاصة أو الندماء والأصدقاء. هذه الدائرة المقربة، كثيراً ما يحتلها الوشاة، يرفعون من شاؤوا، ويخفضون من أرادوا.. حماية لمصالحهم وتصفية لحساباتهم، والمسئول في أغلب الاحيان لا يكتشف حقيقة الواشي وإنما يتصوره شخصاً مخلصاً يخشى عليه من مؤامرات الآخرين، لذلك يبلغه بدبّة النملة. يصور النابغة الذبياني الواشي في بيت شعر قاله في معرض استعطافه للنعمان بن المنذر بن ماء السماء: لَئن كُنْت قد بُلِّغْت عنِّي وشاية لمُبْلِغُكَ الواشِي أغشُ وأكذبُ وأصبح هذا البيت مثلاً من أمثال العرب. الوشاة لا يفسدون الحكام ولا يثيرون حفيظتهم ضد المثقفين فحسب، وإنما ينشطون بين الاصدقاء والمحبين والحلفاء والمتعاهدين.. و«من أطاع الواشي ضيّع الصديق»، كما يقول الإمام علي كرّم الله وجهه. وقالوا: تراها يا جميل تبدّلت وغيرها الواشي فقلت : لعلها جميل بثينة يثق في قدرة الواشي حيناً، ويثق في قدرته هو على العشق العفيف حيناً آخر: وإني لأرضى من بثينة بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله مسكين جميل، لا يعرف ان الوشاة لا ينامون قريري العين إلا إذا وشوا. في الماضي كان عدد الوشاة قليلاً، ويمكن بالحيلة التغلب على شرورهم، أما الآن فالوشاة أكثر من الموشى بهم. فقد استعمل عمر بن الخطاب رجلاً من قريش فبلغه انه قال: اسقني شربة تروي عظامي واسق بالله مثلها ابن هشام ارسل عمر في طلب عامله، ففطن العامل الى ذلك وألّف بيتاً آخر كي يحتمي به من غضب الخليفة، فلما مثل بين يديه سأله عمر: أنت القائل كذا؟ رد القرشي: نعم يا أمير المؤمنين فهلا أبلغك الواشي ما بعده؟ قال الخليفة: وما الذي بعده؟ أجاب الرجل: عسلاً بارداً بماء غمام إنني لا أحب شرب المدام أما خير ما يمكن به مواجهة الوشاة، فهو ما فعله الاسكندر حينما جاءه أحدهم بوشاية.. قال الاسكندر: أتحب أن أقبل منك ما قلت فيه؟ على أن أقبل منه ما قال فيك. رد الواشي: لا. فقال الاسكندر: كف عن الشر يكف عنك الشر. لو عانى الوشاة من البطالة، فستنصلح أحوال كثيرة وتفرغ زنازين كثيرة في وطننا العربي.. ليتهم يعانون البطالة.. ولو قليلاً!