الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 قوات طالبان تعاود الظهور في شرق أفغانستان. والهجمات السريعة التي تقوم في الأيام الاخيرة بشنها من يوم إلى يوم ضد القوات الاحتلالية الاميركية مرشحة للانتقال إلى حرب عصابات شاملة شبيهة بحرب فصائل «المجاهدين» ضد الوجود العسكري السوفييتي في الثمانينات. هذه النقلة النوعية الكبرى سوف تكون إحدى افرازات الحرب الاميركية المرتقبة ضد العراق.. مما يؤدي إلى طرح سؤال: هل أعدت واشنطن حسابات سياسية جيدة لاحتمالات ردود الفعل؟ بمجرد أن يبدأ انهمار الصواريخ والقنابل الاميركية على الاهداف العراقية المقررة فإن العالم سوف يستقبل مناخا جديدا تتفجر فيه المشاعر الشعبية المعادية للولايات المتحدة في أرجاء العالم بموجب قوانين ردود الفعل. وعودة قوات طالبان الافغانية إلى المسرح القتالي بقوة لن تكون سوى حلقة أولى في مسلسل من التطورات المتسارعة الخطيرة. في اندونيسيا قد يطاح بالنظام الحاكم. وفي باكستان سوف يؤدي ضغط الشارع الاسلامي الفائر إلى تحويل الاقليم الشمالي الحدودي المحاذي لافغانستان الخاضع لحكم تحالف الاحزاب الاسلامية عن طريق الانتخابات الاخيرة إلى قاعدة امداد لوجستي لقوات طالبان. ومن اندونيسيا سوف تنتقل «العدوى» إلى الفلبين. هذا عدا «مفاجآت» من اعداد تنظيم «القاعدة» ربما تقع في أي مكان في العالم العربي والعالم الاسلامي ومفاجآت اخرى من نوع مختلف ومن اعداد العناصر المتطرفة في منظمات مناهضة العولمة قد تقع في الولايات المتحدة وأوروبا. حتى هذه اللحظة لا يبدو ان ادارة بوش مسلحة بحسابات متقنة للتداعيات المتوقعة. ولكن الأسوأ ان خطة ضرب العراق نفسها ليست الا نتيجة تقديرات خطيرة يختلط فيها التعجل بالتفكير الرغبوي.. او التفكير بالتمني. النجاح العسكري الذي حققته الولايات المتحدة في حربها ضد افغانستان التي انطلقت في اكتوبر 2001 يبدو انه هو الحافز الاساسي الذي اغرى صقور الادارة الاميركية بتمديد الاجندة الحربية لتشمل العراق كخطوة تالية. لكن صقور الادارة، وهم في حمأة تعجل مواصلة الطرق على حديد ساخن تجاهلوا فرق التوقيت. فما بين ضرب افغانستان والتوقيت الوشيك لضرب العراق الآن انقضت سنوات ضوئية بمعنى تبدل الظرف الدولي. ومن اقوى وابرز عناصر هذا التبدل الظرفي اندلاع التمرد السياسي الاوروبي على الدولة العظمى. شتان ما بين ظرف وظرف رغم قصر المدة بالحساب الزمني العادي. فعندما صح عزم ادارة بوش عقب احداث سبتمبر مباشرة على تدمير تنظيم «القاعدة» ونظام طالبان الذي كان يستضيفه على الارض الافغانية هرعت الدول الاوروبية الاعضاء في الحلف الاطلسي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تنص على ان أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على كافة الدول الاعضاء. في وقت قياسي جرى تشكيل ائتلاف حربي بين ضفتي الأطلسي فشنت أميركا حربها على افغانستان وهي مستندة إلى دعم اوروبي كامل حتى مع غياب ادلة اميركية على ان تنظيم «القاعدة» هو المسئول فعلا عن تدبير وتنفيذ ضرب مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع. الآن، وادارة بوش تستهدف العراق بحرب مماثلة تطالب دول اوروبية رئيسية في مقدمتها فرنسا والمانيا الولايات المتحدة بتقديم ادلة ملموسة تبرر هذه الحرب. وهي ليست مطالبة فنية. انها تعبير عن رؤية سياسية اوروبية للمسألة العراقية تتناقض رأسيا مع الرؤية الاميركية. تبدل ايضاً الموقف الروسي والموقف الصيني. لقد بلغ الدعم الروسي للولايات المتحدة وهي تعد العدة لشن الحرب على افغانستان ان موسكو حثت دول آسيا الوسطى الواقعة على الجوار الافغاني على منح اميركا قواعد عسكرية بقدر ما دعمت «تحالف الشمال» الافغاني المكون من فصائل معادية لنظام طالبان. فقد كانت روسيا ترى في كل من طالبان و«القاعدة» حليفين للثوار الشيشان. وكذلك انبرت الصين لتأييد تلك الحرب وفي ذهن قادتها احتمال امتداد نفوذ طالبان و«القاعدة» إلى اقليم سنكيانج في غرب الصين الذي يشهد تمردا من الاقلية الاسلامية الصينية هناك. الآن اختلف الامر فالحالة العراقية في نظر الاوروبيين والروس والصينيين ليست مشابهة للحالة الافغانية رغم مجاهدة جورج بوش للربط ما بين «القاعدة» ونظام عراقي علماني حتى النخاع. وربما قرر قادة اوروبا وروسيا والصين ايضا التوقف ليطرحوا على انفسهم تساؤلا: إلى أين تقودنا الاجندة الحربية الاميركية؟ افغانستان بالامس.. والعراق اليوم.. وغداً من؟ ومتى تنتهي حلقات مسلسل يمكن ان يقود إلى فوضى عالمية لا يمكن السيطرة على تداعياتها؟ لكن على الطرف الآخر الاميركي لا يبدو ان هناك حسابات مبنية على تساؤلات.