الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 تأتي قضية العراق في أولويات الادارة الأميركية التي لم تعد تحتمل رؤية جنودها خارج ساحة المعركة، واحساسها أنه آن الأوان لتجرب أسلحة جديدة أكثر فتكاً مما كان قبل عام في الحرب على افغانستان فافتعال الذرائع لتقويض القرار 1441 مسألة ضرورية وملحة من اجل شن حرب لا احد يتصور ابعادها وتداعياتها على المنطقة العربية بأسرها، ربما لا يهم ما سوف يكون بالنسبة للادارة الاميركية، ماذا سيلحق المنطقة من دمار وخراب وقتل الابرياء، لكن العرب سوف يرون النتائج التدميرية، ونسيجاً جديداً للمنطقة يغير معالمها الحضارية، ويعيق تقدم شعوبها عشرات السنين. ويتراءى للبعض ان الادارة الاميركية جادة في تغيير الانظمة والمجتمعات العربية والاسلامية، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية كما تدعي يترك فيها الخيار الحر للشعب، عندما تستجيب فيه لمطالب المعارضة العراقية على غرار وعودها لمعارضي الشمال الافغاني في الوقت الذي تتغافل فيه عن استحالة تحقيق الهدوء والاستقرار وعجز كرازاي عن تحقيق الأماني الاميركية. والخطأ الكبير في تقييم السياسة الاميركية امكاناتها في اقامة نظام في العراق او فلسطين يأتمر بأوامر البيت الابيض قد يكون ذلك أشد هراء من اية تخمينات اخرى، انما السعي الاميركي هدفه الواضح بناء حكومات عميلة بعد ان رأت تفكيك مفاهيمية الصداقة والتبعية خلال الحرب الباردة، وتصدعات هيكلية تصيب بنيان الصداقة التي بدأت تهتز جدرانها بعد الحادي عشر من سبتمبر واهمها الحملات الدعائية غير المسبوقة ضد دول اسلامية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فقد وجهت اليها بصورة مباشرة وغير مباشرة تهماً خطيرة، معاونة جماعات الاسلاميين المتطرفين، او التعاون مع تنظيم القاعدة، لدرجة اوحت لكثير من رجال السياسة تساؤلات مقبولة حول جدوى مواصلة الشراكة التاريخية مع الرياض. مصالح وضغوط وجوهر المفارقة فوق الارض العراقية والفلسطينية يختلف تماماً ففي فلسطين تنفذ فصول مأساة دمار شعب وترحيله، وبالنسبة للعراق هناك حبك نسيج تحاول الولايات المتحدة اشراك الدول الاوروبية فيه، معنون صراحة على سخاء الوعود لهذه الدول، واعتقد ان ألمانيا وفرنسا تحديداً لن يجدي معهما لا الوعود ولا التهديدات، بل ان المستشار الألماني يسعى دوماً لأن يجد لألمانيا الموحدة مكانتها بين الأمم الاوروبية. اما الموقف التركي فقد بدأ يتبلور بعد الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء «غول» الذي نجح لأنه (مسلم) عندما طرح مبادرته ـ مؤتمر إقليمي ـ أخذته سوريا على محمل الجد والاهتمام انما ارى ان لهذا المؤتمر حساسية خاصة تهدف أميركا بل وتحاول استغلاله في وضع الدول المجاورة للعراق في حالة ارتباك مع شعوبها. فأميركا تتطلع الى اثارات فوضوية في الدول الاقليمية المرتبكة في حال خضوعها لضغط اميركي لقبول حرب لن تقع وما لهذا من مدلولات في فضاء السياسة والايديولوجيا. ولهذا، يبقى للسؤال قيمة اذا اصرت تركيا ان تكون اراضيها مسرحاً لعمليات عسكرية، وقبول عشرات آلاف الجنود الاميركيين وثمانية مطارات وموانئ بحرية يستبيحون الجنوب التركي المجاور للعراق وسوريا، او ان يرفض «غول» هذا الاحتلال العسكري مستذكراً الانتصار الذي حققته باعتباره انتصاراً لدعاة عودة تركيا الى هويتها الاسلامية، وهذه لن تقبل بالوجود الاميركي والهيمنة الاميركية وسوف تستبين آثارها مستقبلاً. على الرغم من ذلك تبقى تركيا دولة طموحة مهما كانت الايديولوجيا الناظمة لشئون الدولة والمجتمع، فالرئيس الحالي يسير على خطى سلفه من حيث المصلحة القومية لتركيا، وسوف يستمر في طلب المكافآت المالية كتعويضات او مقابل استباحة ارضها، لكن الملف الكردي ومحاصرة التحرك الكردي داخل تركيا وخارجها يبقى هاجس الحكم ولن تتنازل عنه، ومن منظور العلاقات العربية التركية تكتسب انقرة موقعاً يهيئ لرئيس الوزراء «غول» استقراراً داخلياً يسعفه على حمل لافتة التعويض عن خسارة العرب في الشرق الاسلامي عندما تعود انقرة الى مسارها مع دول الجوار العربي، وهو ما نراه واضحاً في الخطاب التركي في السنوات الثلاث الاخيرة ونجاحها مع الجارة سوريا في اتفاق التعاون العسكري. اميركا تستبيح بلاد العرب الآن ولا تضرها هذه الاستباحة اذا كانت سلمية بدون خسائر هذا ما نفهمه من تصريحات رئيس الاركان الاميركي في انقرة «ريتشارد مايرز»، او تصريحات «دونالد رامسفيلد» والآن وضعت وجودها العسكري في قواعد لا حصر لها في اسيا. لكن يبقى النظام العراقي عصياً وخارج بيت الطاعة، وهذا، مقبول لدى الادارة الاميركية اذا كان ممنوع عليه صناعة حتى سكاكين المطابخ، واستمرارية الحظر فوق الجنوب والشمال ليتحول مستقبلاً الى حقيقة واقعية، الى دولتي الشمال والجنوب وصراعات قبلية وطائفية مذهبية وعرقية في دويلات ثلاث، تحمل الغبن والكراهية للعرب الذين تخلوا عن العراق الحضاري. الضمير الواهن لقد اصبحت وخزات الضمير في حالة وهن تختزل مسألة الوجود الانساني بعد 11 سبتمبر في سلوكيات الكيان الصهيوني والادارة الاميركية تجاه شعب العراق والفلسطينيين، بعد ان تأكد وجود رجال من معهد الامن القومي اليهودي اليميني المتطرف مع رجال الاستخبارات او مركز السياسة الامنية الاميركية المعروفة بـ «سي إس بي» هذا التعاون والتعاقد والتعاضد في كل معاني السياسة الخارجية الاميركية الامنية داخل جدران البنتاغون، جرد المفهوم السياسي الاميركي من فلزات الضمير، فلم يعد لديهم مفارقة بين رؤية الضحية من بني البشر، او اي ضحية من جنس آخر. من هنا اعتقد ان لا صحة للقبول الاميركي بالقرار (1441) فالادارة الاميركية قادرة عسكرياً على الانفراد بضرب العراق وقد لا يهمها الرأي العالمي، الذي تحرك بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الاحتجاجات، بل هو تحد للولايات المتحدة التي تفتعل الذرائع وتثير الاستفزازات يومياً ضد العراق، في الوقت نفسه ربما، تدعيماً لهذا الرأي ان لا صحة لما يقال من انها بانتظار ما تؤول إليه فرق التفتيش من نتائج، جميع هذه الاعتبارات غير واردة في سجل السياسة الاميركية العسكرية، انها تريد ان تكسب الوقت لتستكمل وجودها العسكري الذي يطرح حقيقة مفادها من يجرؤ على حرب اميركا الآن، وهي تجيش الآلاف المؤلفة من المقاتلين وقد ملأت البحر والبر والجو بآلية غير محسوبة وقد لا يكون من حاجة للحرب، ولن تكون الحرب،و وسيان سقط صدام حسين ام لم يسقط ففي قاموس السياسة الاميركية لمنطقة الشرق الاوسط: لا استقرار لاميركا الا في ظل حكومات تسلطية. فالتحشيد الهائل للعسكرية الاميركية والبريطانية اصبح الآن موجهاً ضد شعوب العالم التي خرجت ترفض الحرب، اذ ليس هناك من مقارنة بين هذه الحرب وما جرى من حروب قبلها بما فيها عاصفة الصحراء او حرب كوسوفو حيث كانت هذه الاخيرة بتشجيع اوروبي، وقد تمت خارج اطار الامم المتحدة ومجلس الامن، فكانت مقبولة للاطاحة بديكتاتور طاغية من اشباه «سلوبودان»، ولم تكن في دائرة الدوافع الانسانية التفاؤلية. لكن الادارة الاميركية مصرة بإرادوية جامحة حتى مستوى الرعونة على الانفرادية بقيادة العالم والهيمنة على منطقة واسعة بين البحر الاحمر والصين اعتقاداً ان في ذلك حفظاً لأمنها واسرائيل ولاية منها، دون ان تتذكر ان هذه الانفرادية سوف تلهب الحركات التحررية وحرب العصابات والاشكال التي اسبغت عليها مفهوم الارهاب، وليس المدن الاميركية في منأى عنها. ـ كاتب سوري