الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 اذا كان الهاجس الأمني هو وحده ما دفع معظم الاسرائيليين الى منح تأييدهم لقوى التطرف والانعزال في الدولة العبرية، فهذا يعني انهم مازالوا يرفضون حقيقة ان السلام هو الذي يحقق لهم الأمن، وليس المزيد من اضطهاد الفلسطينيين والحاق الاذى بهم والمعاندة في انكار حقوقهم. ومن المؤكد انهم بهذا الاصرار المغامر يحكمون على انفسهم وعلى الفلسطينيين بالبقاء أسرى لمأزق تاريخي ووجودي لا فكاك منه على الاطلاق، مهما كان التأثير الذي يشكله اغراء القوة وامتلاك وسائل القتل شديدا عليهم وموحيا باحتمالات ايجابية قد يكون وهم «الخلاص النهائي» تتويجا لها. ثمة اعتقاد بأن العمليات الاستشهادية التي نفذها وينفذها مقاومون فلسطينيون داخل الخط الاخضر، هي التي اضعفت ما كان يسمى «معسكر السلام» الاسرائيلي وأدت الى تقلص نفوذ الاحزاب والقوى الاسرائيلية الداعية الى تحقيق تسوية سلمية للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، على النحو الذي عكسته نتائج الانتخابات الاخيرة. ومع ان العديد من المسئولين الفلسطينيين يعترفون بالتأثيرات السلبية التي تركتها هذه العمليات داخل المجتمع الاسرائيلي، بغض النظر عن دوافعها الحقيقية ومبرراتها ودور الاحتلال الاسرائيلي واعتداءاته المتواصلة في استثارتها، لكن لابد من القول ان التوجهات السلمية لدى الاسرائيليين لم تشكل في اي وقت من الاوقات تحولاً جذرياً نحو السلام. ودليل ذلك ما اظهرته المرحلة التي اعقبت اغتيال رئيس الحكومة السابق اسحق رابين، وكذلك مرحلة حكم ايهود باراك التي شهدت محاولة مركزة «بدعم من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون» لتحقيق تسوية سلمية اسرائيلية ـ فلسطينية، ففضلا عن ان باراك نفسه ظل مشردا وغامضا وسلبيا اثناء الاتصالات والمفاوضات التي جرت بين الطرفين، ما ادى الى اضعاف موقعه ودوره لدى الجانبين، ولم يجد من يدعمه بقوة داخل اسرائيل في مواجهة شارون الذي كان يجاهر بأنه ضد التسوية السلمية ويرفض انهاء النزاع مع الفلسطينيين. وكانت النتيجة خروج باراك من الحكم.. ومن العمل السياسي بكامله، وسقوط المشاريع الذي كان يفاوض الفلسطينيين عليها، واصابة حزب العمل بضربة قاصمة. رفض السلام وعلى ذلك، فان نتائج الانتخابات الأخيرة هي محصلة تراكم داخلي ضد السلام وثقافته واستمرار الوقوع تحت تأثير الرغبة في التوسع والهيمنة والغاء الاخر، وهو الوتر الذي يبرع شارون في العزف عليه. يضاف الى هذا، الاجواء التي ولدتها احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وركوب موجة «مكافحة الارهاب» التي اطلقتها الولايات المتحدة، مع مجاهرة الادارة الاميركية بتأييدها الواضح للسياسة الاسرائيلية وتجنبها طرح اي مشروع مشروع جدي لانهاء الصراع في المنطقة، ثم اضفاء شرعية كاملة على ممارسات الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه ضد الفلسطينيين. وخلال فترة السنتين الماضيتين، التي شهدت تطورات بالغة الاهمية على صعيد المواجهة الاسرائيلية ـ الفلسطينية، استطاع شارون ان يجعل من نفسه محور اهتمام غالبية الاسرائيليين، برغم فشله في تحقيق وعده الاول لناخبين بضمان الامن لهم، لكنه، بالمقابل، نجح في عدة خطوات رئيسية صبت كلها ضمن هدف تشتيت العملية السلمية. فهو اسقاط اتفاق اوسلو مع كل ما نشأ عنه من اتفاقات مكتوبة او تفاهمات، ودمر البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، كما جمد القيادة الفلسطينية بكاملها، واعاد احتلال المناطق الفلسطينية التي سبق لاسرائيل ان انسحبت منها، واغتال المئات من كوادر المقاومة الوطنية، واعتقل الآلاف من الناشطين الفلسطينيين، وبما انه من اشد المتحمسين للتوسع الاستيطاني، فقد عمل على تنفيذ العديد من المشاريع الاستيطانية الجديدة، كما باشر اقامة جدار عازل يفصل بعض المناطق الفلسطينية عما يواجهها من اراضي الدولة العبرية لمنع رجال المقاومة من التسلل خلف الخط الاخضر، كما يدعي، مستولياً بذلك على مئات الدونمات الاضافية من اراضي الضفة الغربية المحتلة. وبهذه السلسلة الطويلة من الخطوات التدميرية، اصبح شارون الرجل الذي يلتف حوله الاسرائيليون، ولكن من دون ان يقدم لهم في واقع الامر شيئا ايجابيا: لا الأمن الموعود، ولا انقاذ الاقتصاد، الذي شهد في عهده مزيدا من التراجع تحت تأثير المواجهات المستمرة مع الفلسطينيين. وما كان لشارون ان يحقق ذلك لشخصه ولحكومته الائتلافية لولا انضمام حزب العمل الى حكومته وتحوله الى جزء من مشروعه السياسي القائم على تخريب عملية السلام، ولكن تحت شعار انقاذ هذه العملية، كما يحلو لشيمون بيريز ان يردد دائما في تبريره العمل تحت قيادة «الليكود» وزعيمه ارييل شارون. طريق الانحدار هذه الازدواجية في موقف حزب العمل كان لابد ان تترك نتائجها الطبيعية والمنطقية حيال الاسرائيليين لاحقا. لقد بنى هذا الحزب رصيده السياسي باعتباره صاحب الدور الرئيسي في بناء دولة اسرائيل، ثم في فتح باب المصالحة مع الفلسطينيين تمهيدا لاقامة سلام كامل بين الطرفين بين صراع العقود الماضية. وفجأة اصبح «العمل» طرفا رئيسيا في حكومة ليس لها من برنامج مستقبلي سوى تدمير ابرز انجازاته هو، اي العملية السلمية، واعادة الامور الى نقطة الصفر. وليس من قبيل المصادفة ان يتولى اثنان من قادة حزب العمل ابرز وزارتين في حكومة شارون: وزير الدفاع بن اليعازر الذي قاد الآلة العسكرية الاسرائيلية ضد المناطق الفلسطينية، ووزير الخارجية شيمون بيريز الذي تولى تلميع صورة شارون في الخارج وعمل على محاولة تبرير سياساته العدوانية المتطرفة. وان كان انضمام حزب العمل الى حكومة شارون الليكودية بدا مستغربا في حينه، الا ان انسحابه منها لم يترك اي اثر مهم لدى الاسرائيليين، فقد تماهى «العمل» تماما مع سياسات شارون الى حد انه فقد هويته وشخصيته المستقلة. ولهذا لم يبق له رصيد خاصة لدى الاسرائيليين المستنفرين بقوة الى جانب شارون بفعل عملية التحريض المتواصلة ضد الفلسطينيين، ولان الناخبين لم يجدوا شيئا اضافيا يمكن ان يقدمه «العمل» لهم في المستقبل، لا سيما وان قادته الرئيسيين لا يقفون فيما بينهم على موقف موحد، او على خطة سياسية قد تشكل بديلا لما يطرحه شارون. فرئيس الحزب عميرام ميتسناع لم يستطع ان يبلور رؤية سياسية متكاملة لطبيعة العلاقة المستقبلية بين الاسرائيليين والفلسطينيين. بل على العكس من ذلك فقد كانت لديه افكار متناقضة، تعكس تشوشه الفكري من ناحية، وعدم خبرته السياسية من ناحية اخرى. وهكذا.. هبط عدد المقاعد التي احتفظ بها «العمل» من 25 الى 19 مقعدا. كما خرج من المواجهة مع «الليكود» مهشما نتيجة للصراع المستمر بين رئيسه ميتسناع ومنافسه وزير الدفاع السابق في حكومة شارون بن اليعازر. وهو ما يغري شارون للسعي مجددا من اجل تشكيل حكومة ائتلافية جديدة مع «العمل». فبرغم الانتصار الكبير الذي حققه شارون بمضاعفة عدد مقاعد «الليكود» النيابية «من 19 الى 38 مقعدا»، الا انه يبدو عاجزا عن قيادة اسرائيل نحو تحقيق الجزء الاخر من مشروعه التدميري من دون استيعاب حزب العمل مجددا وازاحته من طريقه. فهذا الحزب يستطيع الوقوف في وجه التيار الشاروني الجارف اذا توافرت له خطة سياسية مناهضة لمشروع شارون تتمتع بقدر معقول من الجدية والواقعية بما يجعلها خشبة خلاص للاسرائيليين من مأزقهم الراهن. ذلك ان عميرام ميتسناع، الرافض لفكرة تكرار تجربة الائتلاف مع «الليكود»، يؤكد انه سيقود المعارضة ضد سياسات شارون في المرحلة المقبلة، بحيث يهيئ الساحة السياسية لمعركة اخرى يحقق فيها الانتصار على شارون. ومثل هذا الاحتمال ممكن اذا استطاع ميتسناع ان يقنع الاسرائيليين بأنه رجلهم المناسب وليس مجرد طارئ على حزب العمل وعلى السياسة. وكما سقطت حكومة شارون بعد اقل من سنتين على تشكيلها، يمكن ان تلقى المصير ذاته وللسبب نفسه: الفشل في تحقيق الأمن الاسرائيليين. فقتل المزيد من الفلسطينيين لا يحقق هذا الهدف. شارون «الجديد» هل نستطيع ان نرى شارون جديدا في المرحلة المقبلة، اي غير شارون الذي عرفناه على مدى العقود الماضية، وخلال السنتين الاخيرتين على وجه اخص؟ القاهرة، التي تراجع دورها في العملية السلمية، تعرب عن املها بأن يحدث ذلك، على رغم اننا لسنا في زمن المعجزات، ولذلك تقوم الدبلوماسية المصرية بعملية استكشاف لما يمكن ان يقدمه شارون، العائد من جديد، واكثر قوة من ذي قبل. لكن شارون يبدي حرصا واضحا على الا يدع احدا يخطئ الحساب والتقديرات بالنسبة لما يفكر فيه، ولما يمكن ان يفعله، ومن اجل ذلك بدأ تحركه حتى قبل اعلان نتائج الانتخابات الاخيرة رسميا، باعتبار انه لم تكن ثمة مفاجأت متوقعة فيها. فصباح اليوم التالي للانتخابات اقتحمت القوات الاسرائيلية مدينة الخليل واحدثت تدميرا شديدا في بنيتها التحتية وفي مقار السلطة الوطنية الفلسطينية، معلنة بذلك اسقاط «اتفاق الخليل» الذي وقعه بنيامين نتانياهو عام 1998. وقبل ذلك كان شارون تحدث عن اسقاط «خريطة الطريق» التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية.. ولم تر النور رسميا بعد، مشيرا الى انه يعد خطة جديدة، ومن جانب واحد، تقوم على الافكار الواردة في «رؤية بوش» والمعلنة في 24 يونيو الماضي، ووفقا لما ذكرته صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية فان «خطة شارون «الخاصة» تقوم على التفسير الاسرائيلي لرؤية الرئيس الأميركي، وعلى التحفظات التي سبق ان قدمها الاسرائيليون على «خريطة الطريق» الدولية، واوضحت الصحيفة ان شارون يريد وقف التعامل مع «خريطة الطريق» والتركيز، بدلا من ذلك، على خطته الشخصية التي تتضمن شروطا عديدة وصارمة يتوجب على الفلسطينيين تنفيذها قبل القيام بأي خطوة في اتجاه تحقيق تسوية سلمية. وبالفعل فقد طلب شارون موعدا من البيت الابيض لعقد لقاء مع الرئيس جورج بوش يبحث معه فيه اقتراحاته الجديدة، برغم ان وزير الخارجية الاميركي كولن باول اعاد الحديث اخيرا «خلال منتدى دافوس في سويسرا» عن «خطة الطريق»، وعن «دولة فلسطينية حقيقية غير مجزأة». على أي حال فان البيت الابيض والقيادة الاسرائيلية يبدوان متفاهمين تماما على تأجيل اخر لـ «خريطة الطريق».. الى ما بعد انتهاء الحملة العسكرية الاميركية المنتظرة على العراق، ومن المؤكد ان الرئيس جورج بوش، المعجب كثيرا بشارون، سيستمع اليه باهتمام، هذه المرة ايضا، وربما اكثر من المرات السابقة. لكن النتيجة المنطقية لكل هذا هي وصول الجميع الى طريق مسدود، وتواصل المأزق الاسرائيلي ـ الفلسطيني المشترك. فمتى يدرك الاسرائيليون ان الامن الحقيقي لن يأتيهم الا عبر السلام، وليس عبر اي طريق اخر؟! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا