الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 ماذا لو رفع المعلمون والمعلمات شعار (الاصغاء بدون اعذار) لمدة يوم دراسي واحد، واجتهدوا في ذلك اليوم ان يجروا تعديلاً على طريقة دخولهم للفصل، وعلى طبيعة المادة الحوارية التي يواظبون عليها منذ اليوم الذي استلموا فيه مهنة التدريس، والى اللحظة الراهنة؟! ماذا لو دخل كل معلم ومعلمة الفصول الدراسية بدون ان يصطحبوا كتبهم ومقرراتهم في ذلك اليوم الخاص جداً، والمميز من تاريخ التدريس في دول العالم الثالث، وليس في اذهانهم الا هدف واحد يريدون تحقيقه في الاربعين دقيقة التي تجمعهم بطلابهم وطالباتهم. هذا الهدف الجديد والمهم هو ان يصغوا للطلاب بكل جوارحهم، وان يمنحوهم يوماً واحداً في العام ليتحدثوا فيه بحرية وصراحة عما يريدون دون موانع أو قيود. ماذا لو دخل معلم التاريخ ليتعرف على ملاحظات طلبته في طريقة شرحه للمادة الدراسية، وليقف على الصعوبات التي تواجههم اثناء الاستذكار. ليسألهم عن الافكار التي لديهم ليثروا بها مقرر التاريخ، ولتكون وسائل فاعلة لمضاعفة نسبة الاستفادة من هذه المادة؟ ماذا لو سألهم المعلم عن احتياجاتهم المعرفية التي قصر المنهج عن تلبيتها، وماذا لو تعاون معهم على تحقيقها بطرق بحثية اخرى يتفق معهم على التوجه اليها؟ ماذا لو سألهم عن توقعاتهم لأنفسهم فيما لو اختاروا هذه المادة موضوعا للتخصص الجامعي؟ ماذا لو طاف بهم في رحلة علمية غنية بالشواهد والحقائق عند اهم محطات التاريخ، ووقف معهم مع غرائب الاحداث التي شهدها الزمن واكثرها طرافة وظرفا؟! ماذا لو رسم معلم التاريخ في ذلك اليوم على وجهه ابتسامة مشرقة، وصرف انتباهه الى الطلبة الذين يجلسون في الصفوف الخلفية وداعبهم واشعرهم بقربهم منه «بغض النظر عن مستواهم العلمي»، ودخل معهم في حوار أبوي هاديء لايشوبه او يعكره التطرق من قريب أو بعيد الى سجل اعمال الدرجات في الفصل السابق؟! ماذا سيحدث لو تراجع المعلم في ذلك اليوم عن تقمّص دور وكيل النيابة الباحث عن الاخطاء والمساويء؟ ماذا سيحدث لو رفع المعلمون شعار (الاصغاء بدون اعذار) وتناوبوا في ذلك اليوم على تطبيقه حرفيا، فأجلوا العتاب، واخروا الحساب، واهتموا بتطبيق قواعد الحوار الفعَّال؟ ماذا لو سمحوا للجيل الجديد ان يقول كلمته في النظام المدرسي، وان يدلي برأيه في مدى تلبية المناهج لحاجاته المعرفية؟ ماذا لو خاطب المعلمون والمعلمات نزعة الخير في نفوس الطلاب والطالبات، وركزوا على الايجابيات، واطلقوا عبارات التشجيع والثناء، وجادوا عليهم بكلمات الشكر لما يبذلونه من تواصل يومي مع المدرسة والمقررات الدراسية؟! ماذا لو اعطي الطالب المشاغب في الفصل الفرصة ـ في ذلك اليوم ـ ليخبر عما يفتقده في المدرسة، او في البيت أو في الحياة والذي يتسبب عدم وجوده في اثارة اعصابه ودفعه للخروج عن النظام؟ ان الذي سيحدث لو تحقق هذا المطلب، ورفع المعلمون شعار (الاصغاء بلا أعذار) هو ان شلالا من الحب العميق سيتدفق في اعماق الفتية والفتيات ليغسل من نفوسهم مشاعر الاحباط والقلق والبحث عن الذات، ويمنحهم طاقة ايجابية ترفع من ثقتهم بأنفسهم، وتصحح من مفاهيمهم القاصرة حول الادوار الكبرى للمعرفة في حياة الانسان. ذلك ان الصرامة والجمود والاستمرار في تكميم افواه الجيل بابقائهم يوميا على كراسي الدراسة في حالة صمت مريع، لا تتحرك شفاههم الا اذا كانت لديهم اجابة صحيحة مطابقة لما اورده الكتاب. المهذب فيهم من يفتح عينيه، واذنه ويطبق فمه حتى يؤمر بالاجابة عن سؤال معلم المادة، اما غير ذلك فلا اذن تسمع، ولا وقت يسع!! والسؤال الاخير: أبهذه الرتابة في التعليم، وهذا العقم في التعامل يمكن ان نصحح مسيرتنا العلمية ونجبر العالم على التصفيق لنا من جديد؟! هيهات للأفواه التي كممت اثنى عشر عاما أو يزيد ان تعرف حين تكبر كيف تطالب بحقوقها، وكيف تبني مجدا لا يصنعه الا من تعودوا على التعبير المبكر عن ارائهم بجرأة وحرية غير مشروطة ولا محدودة بزمن؟