الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 من غرائب الاخبار التي تأتي من العراق ذلك الخبر الذي يقول: إن المجلس الوطني العراقي قد قرر منح (وسام صدام) لصدام حسين الرئيس العراقي امتنانا له لتصديقه على مرسوم الوسام!! وانه ـ اي المجلس ـ قد خصص جلسته الاخيرة لمناقشة اهمية الوسام ودلالاته ورموزه القومية مع الفنان الذي قام بتصميمه من الذهب الخالص والاحجار الكريمة. بعد قراءة الخبر وجدتني اسأل بعفوية: كم سجين رأي في العراق؟ ولما ادركت سذاجة سؤالي عدلت عنه لسؤال آخر هو: كم يبلغ عدد سجناء الرأي في العالم؟ عندها وجدت عيني تسقط على الصحيفة ذاتها التي نشرت خبر (وسام صدام حسين) لاقرأ فيها هذا الخبر: (سجناء رأي في تونس يضربون عن الطعام) حيث جاء في تفاصيل الخبر أن نزلاء سجن صفاقص اصدروا بيانا وصفوا فيه انفسهم بـ (سجناء رأي) يقومون بالاضراب عن الطعام احتجاجا على ما آلت اليه الحريات وتردي ملف حقوق الانسان في تونس على حد وصفهم مطالبين بعدة مطالب منها (ترسيخ حرية وشفافية الاعلام)! يبدو اننا كلنا في الهم شرق، فلسنا وحدنا الذين نعزف هذه الايام على وتر حرية الصحافة وشفافية الاعلام، فاضافة لخبر سجناء تونس ـ فإن المعهد الدولي للصحافة في فيينا قد اصدر تقريرا سماه (سجل شرف الحريات الصحافية) اكد فيه ان ثلثي سكان العالم يعيشون في دول لا تحترم فيها المباديء الاساسية لحرية التعبير! حيث تحتل اميركا اللاتينية المرتبة الاولى فى التضييق على الصحافة، ففيها جرت نصف عمليات اغتيال الصحافيين خلال عام واحد فقط. اما في (اسرائيل) فان التقرير يقول إن رقابة واسعة تمارس تحت غطاء الامن القومي ولا تنشر الصحافة المحلية هناك انباء كتبتها الصحافة الاجنبية، وفي افريقيا فان البنادق والالغام اكثر من الهواتف واجهزة الراديو والتلفزيون ما يجعل امر تصفية الصحافيين سهلا للغاية وتسييس الاعلام قدرا لا مهرب منه. في اوروبا لايذكر التقرير شيئا عن الدول ذات الديمقراطيات الراسخة او ما نعرفها نحن بدول اوروبا الغربية، فهذه قد انهت معاركها في ساحة حرية الاعلام منذ اقرت مؤسساتها وقضاؤها المستقل وبرلماناتها المنتخبة والمفعلة، اما بلغراد وكرواتيا وجورجيا وروسيا وألبانيا فهذه ضمن دول القائمة السوداء في تعاطيها مع حريات التعبير والاعلام والصحافة. وللذين يعتقدون ان حرية الصحافة شبيهة بموسم التنزيلات لا تحتاج سوى لترخيص من جهة حكومية (كالبلدية مثلا) نحيلهم الى مرافعة المحامي الاميركي (اندرو هاملتون) التي قدمها عام 1735 ودفاعا عن حرية الصحافة في القضية التي ادين فيها جون بيتر زنجر صاحب مجلة (نيويورك ويكلى جورنال) بتهمة اثارة الفتنة بسبب انتقاده لسياسات حاكم المستعمرة الانجليزي. ان قراءة مرافعة هذا المحامي والوقوف عند عام 1735 اي منذ اكثر من 250 عاما مضت من عمر الانسانية تجعلنا نراجع بعض حساباتنا وكل مراهناتنا العاطفية، لكن دون ان نتوقف عن اكمال البناء بالحكمة والتعقل وبالحماس والآمال العريضة وبالرهانات الصعبة التي تصل بالبعض حد المقامرة احيانا. الحرية مثل الديكتاتورية كلاهما تعبير عن حالة مجتمع او عن حالة فرد او جهة، حرية الصحافة افراز لحالة مجتمع واع متعلم حر ومؤسساتي في المقام الاول، ولا تأخذنا الحماسة فنعتقد لأن صحيفة تطاولت على وزير بأننا حققنا معجزة حرية التعبير، ذلك ان وزيرا آخر لا تستطيع نفس الصحيفة ان تفكر مجرد التفكير في الاقتراب منه، ما يعني ان هناك اشكالية عميقة ضاربة في جذور التركيبة السياسية والذهنية والاجتماعية لهذا المجتمع العالمثالثي وبأن رجلا يدافع عن حرية الصحافة عام 1735 يحق لحفيده ان يفاخر اليوم بحرية الصحافة كما يحق لحفيد المفكر الفرنسي مونتسكيو ان يفاخر بقضاء مستقل وبسلطات منفصلة لا ضغط لاحداها على الاخرى. مسيرة الانسانية سلسلة متصلة من النضال والعمل الدؤوب لمراكمة نتائج صحيحة ماعدا ذلك فحرث في البحر وزرع في قلب العاصفة لا أكثر!