الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 لو أنني ذكرت أوصاف الأسرة التي نمت فوقها، أو تمددت عليها طالبا للراحة، فسوف أكتب ما مر بي عبر حياتي بالتفصيل، ما من يوم الا ويكون فيه رقاد يعقبه نوم، أقدم سرير يمثل في ذاكرتي، سرير من معدن. ربما حديد ممتزج بنحاس يحيطه في بعض المواضع كحلية، كان مرتفعا. له قوائم أربع، يشدها الى بعضها قوائم من حديد مطلية بلون أسود، ممتد فوقها ألواح خشبية نحيلة اسمها «الملة» ولا أعرف أصلا لهذه التسمية، فوقها تبسط الحشية أو المرتبة بالقطن، والآن تباع جاهزة محشوة بمادة صناعية. تمددت فوق هذا السرير طفلا، ومرضت بالحصبة. وأذكر المرحلة الأخيرة منها، ودرجة الحرارة المرتفعة، ودغدغة تجتاح جلدي تدفعني الى الهرش، وجلباب أحمر يغطيني من رأسي الى قدمي. كان الاعتقاد السائد انه يساعد في سرعة الشفاء. فيما بعد انحسرت الحصبة بعد ان أصبح التطعيم ضدها اجباريا، ثم اضيف تطعيم اخر ضد الحصبة الالمانية وهذا نوع مغاير. لقد أدركني خوف بأثر رجعي عندما قرأت ان هذا المرض خطير وأنه يسبب مضاعفات خطيرة منها العمى والعته، أي أخطار نفدت منها خلال الطفولة وما تلاها؟ عندما انتقلنا من مسكننا الصغيرة بدرب الطبلاوي الى شقة أوسع بالدرب الأصفر، استبدلت أمي السرير الحديدي بآخر خشبي، أقرب الى النوع السائد الآن، لقد أصبحت المصنوعة من الحديد أو النحاس من الطرز القديمة، ولاحظت فيما بعد قصور الاثرياء الجدد. لاحظت أيضا ان السرير القديم يعود في بيوت الاثرياء الجدد ربما طلبا للاصالة والعتاقة وللايحاء بعراقة الثروة. من السهل ان أتذكر أول سرير نمت فوقه بعد سرير العائلة. عندما كنت أسافر الى مسقط رأسي ونقضي شهور الصيف الاربعة في جهينة، لم يكن في بيت خالي الذي نقيم به أسرة، مثل كل بيوت الصعيد، فقيرها وثريها، لأن بيوت مصر القديمة المصممة على الطراز العربي لم تعرف الأثاث كما نعرفه الآن، انما كان جزءا من العمارة، في بيوت القاهرة القديمة، وبيوت الصعيد، كانت المصاطب المستطيلة تحل مكان الأسرة، في النهار يجلس فوقها القوم، وبالليل تبسط فوقها الحشايا وتستخدم للنوم، بعض القرى، خاصة في الجنوب الأقصى، الأقصر ونزولا حتى النوبة. كانت تستخدم أسرة مصنوعة من جريد النخيل، وتعرف باسم «العنقريب»، وتتميز بصعوبة تسلق العقارب لاجزائها، وعندما رأيت محتويات مقبرة «كا» في متحف تورينو التي وصلت الينا سليمة مثل مقبرة توت عنخ امون، لكن الأولى مقبرة موظف كبير، والثانية مقبرة ملك، لاحظت وجود سرير مصنوع من جريد النخيل، سرير الملك الشاب الذي لاقى المنية مبكرا مصنوع من الخشب الفاخر، قوائمه منحوتة على هيئة الأسود، ويصل قوائمه مستطيلات مضفورة من الجليد. انه مستطيل، كل سرير لابد ان يكون مستطيلا مثل قامة الإنسان، لكن طوله ينم عن قصر قامة الفرعون الشهير، ويدل عرضه على انه كان ينام بمفرده. اذ يبدو واضحا انه لا يتسع الا لشخص واحد. ربما كان هذا أقدم سرير في العالم. مازال سليما، معروضا في المتحف المصري، وفي خان الخليلي مصنع قديم للنماذج الأثرية اشتهر بقدرته على التقليد المتقن للآثار، خاصة سرير توت عنخ امون. والمقعد الشهير، وكثيرا ما كان يوقف كل منهما في المطار خشية ان يكون هو الأصل لشدة التفاني في الصناعة والتقليد. أول سرير نمت فوقه خارج حدود الأسرة كان سريرا معدنيا صغيرا، يطلقون عليه في مصر «سرير سفري» وكان داخل خيمة في معسكر لكتائب الفتوة. كانت الفتوة تنظيما عسكريا ينتظم فيه طلبة المدارس الثانوية، يتدربون على الاشتباك بالأيدي والمصارعة واطلاق النيران من بنادق انجليزية قديمة مازلت أذكر اسمها «لي انفيلد» كنا نرتدي زيا موحدا. رمادي اللون، وأحذية عسكرية ضخمة، في صيف عام ستين أقيم لنا معسكر بأبي قير، قريب من البحر، وكانت المرة الأولى التي أمضي فيها أسبوعين بعيدا عن أسرتي، كما انها المرة الاولى التي أرى فيها البحر الأزرق، غميق الزرقة، ومنذ ذلك الحين بدأت علاقتي به وتعمقت، كان البحر بالنسبة لنا في الجنوب يعني الترعة القريبة، وعندما سافرنا الى القاهرة كان هو النيل، النهر، كنا نسميه بحرا، الى ان قابلت البحر الحقيقي وبدأت صلتي به، التأمل، الجلوس عند حد البر والتحديق في زرقته التي لا أدري مصدرها ومآلها. كان المعسكر مكونا من الخيام. داخل كل خيمة ثلاثة أسرة «سفري» كان أول سرير أقضي فيه ليالي بعيدا عن الأهل، ثم عرفت أسرة الفنادق، وصلتي بها بحاجة الى مؤلف خاص، عرفت فنادق صغيرة في صعيد مصر وشمالها، فنادق فاخرة في أوروبا، مع مرور الزمن أصبحت أتقن الفروق بين فنادق الخمسة نجوم والأربعة والثلاثة والاثنتين، لكل حجرة في فندق شخصية مركزها السرير، في البيت أماكن اضافية، مكتب، غرفة طعام، مطبخ، لكن الفندق عبارة عن فراش. وكل شئ يختزل حوله، حتى لو كان مكان النوم جناحاً وليس غرفة مفردة. أحرص عند الوصول الى غرفة جديدة بالنسبة لي، ان اضفي عليها بعضا من خصوصيتي، حتى لو أمضيت بها ليلة واحدة، أو ساعات قليلة، الخصوصية تلك تتحقق بتوزيع حاجات على الغرفة ترتيبها كما أرغب، حدث العام قبل الماضي ان كنت مسافرا البرتغال عن طريق باريس، حدث ما أدى الى الغاء رحلة الطائرة، وتأجل الاقلاع الى الليل بدلا من الصباح الباكر، وصلنا باريس فجرا. وكان موعد طائرتي الاخرى المتجهة الى لشبونة في الثامنة صباحا، أي انني لابد ان اغادر الفندق في السادسة والنصف، ثلاث ساعات فقط سأمضيها في الغرفة، الفندق من تلك الفنادق التي تقام حول المطارات، انها فنادق «الزبون النقالي» أي الذي لا يقيم، العابر و«الزبون النقالي» تعريف استحدثه من المقاهي المصرية المطلة على الطرق، سواء كانت داخل المدينة أو خارجها. انها مقاهي الزبون السريع. الذي لا يظهر إلا مرة واحدة، لذلك تكون الخدمة فيها أقل من المقاهي التي توجد بالاحياء، أي التي يعرف فيها الزبائن بعضهم البعض. فندق المطار الباريسي كان فاخرا. والغرفة وثيرة، مريحة، مصنف على انه أربعة نجوم، فندق يمت الى إحدى الشركات الكبرى التي تنتشر فنادقها في أماكن عديدة وتتشابه في الشكل والمضمون. رغم ان حقيبتي الأساسية في المطار، ولم يكن لدي ما يخصني الا ما تحويه حقيبة يدي. رغم أنني لن أقضي الا ثلاث ساعات فقط، فقد حرصت على اضفاء الخصوصية، وضعت المصحف الشريف الى جواري، وديوان الحماسة الذي أسافر به دائما وكتاب صادر حديثا عن الفلك، والمفكرة الصغيرة التي أدون فيها ملاحظاتي أثناء السفر، وقلماً. لم يكن ممكنا لي ان أغفر تلك السويعات الثلاث بدون ممارسة الطقوس المصاحبة لرقادي. في الأسرة التي نمت فيها أتوحد بذاتي، أصبح كما ولدتني أمي، فردا، مفردا، لا أحد يصحب صديقه أو رفيقه في نومه، تماما مثل الموت، يخرج المرء من الدنيا فردا كما وفد اليها، في سريري استبطن ذاتي، أفكر فيما كان وفيما سيكون، في مطلع فتوتي كنت أخطط واتخيل الآتي، الآن أفطر فيما مضى، أسترجع بدلا من ان أتطلع، أتوقف عند تلك اللحظة أو الأخرى، استعرض مشاريعي الآنية والآتية، ماينفذ منها وما نفذ وما لم.. استدعي وجوه من أحببت في الزمن البعيد ومن لفت نظري خلال اليوم الماضي، أمارس بالخيال أقصى قدر من الحرية. ما عرفته بالمخيلة أكثر بكثير مما عاينته عن قرب في الواقع، وكلما دنوت من النوم تبرز لي وجوه منسية، ولحظات مولية وأنغام منسية، في السرير حيث أرقد، عندما يتشابه الرقاد الذي يعقبه صحو بالرقاد الذي لن يعقبه يقظة، أمارس أقصى ما يسمح به الخيال من حرية، بدون رقيب، بدون حذف، انطق ما لم أقله في اليقظة بصمتي، وأرحل الى حيث يستحيل بلوغي، أطوف المجرة وأعبر الأزمنة، واختبئ من الغد. كما عرفت الحرية في سريري، عرفت العذابات، الخشية مما سيأتي به الغد، التوجس، الألم، الأرق، أشد ما أعانيه عند تمددي في سريري صعوبة النوم، وهذا ما تزايد في السنوات الأخيرة، ويبدو ان الإنسان كلما تقدم في العمر كلما قلت ساعات نومه، وأصعب بواعث الأرق الخشية الا يعقب الا غفاءة صحو. عرفت أسرة المرض. أمضيت زمنا موثقا الى سرير غير عادي، يتصل بأسلاك تسري فيها الكهرباء. اتقلب فيها بدون ان يتحرك جسدي، أضغط زرا فتتحرك اجزاؤه لتجعلني شبه قاعد أوراقد، كان ذلك في مستشفى كليفلاند بالولايات المتحدة الأميركية، سريري هناك لن انساه أبدا، فوقه فتحت عيني بعد افاقتي من التخدير الطويل الذي تمت خلاله العملية الجراحية في قلبي، لأسبوعين لزمته، موصولا بأسلاك، تنقل حركة القلب الجريح، تحولها على شاشة الجهاز الى خطوط متعرجة، مستمرة. طالما أنها تتحرك فهذا يعني ان الحياة تسري، لو اتصلت وأصبحت خطا واحدا مستقيما فهذا يعني صمتي الأبدي والذي لا أدري فوق أي سرير سيكون. الإنسان يعرف السرير الذي أمضى طفولته فوقه، لكنه يجهل السرير الذي سيغمض فيه عينيه الى أبد أبيد!