الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 أيعقل ان يندفع عشرات الألوف من الاميركيين لركوب ارتال من الحافلات الكبيرة والقطارات في مدن اميركية مختلفة متجهين جميعا صوب واشنطن للتجمع في مظاهرة عملاقة امام مبنى الكونغرس وقد هبطت حرارة الطقس الى نحو 15 درجة تحت الصفر.. أيعقل ان يكون ذلك من اجل العراق فحسب.. العراق فقط لا غير؟ ان تنوع الشعارات التي ترفع عادة في مثل هذه المظاهرات يدل على ان التضامن مع العراق في وجه حرب اميركية محتملة او مرتقبة، ليس سوى قضية واحدة من عدد من القضايا بينها القضية الفلسطينية والقضايا ذات الاتصال بظاهرة العولمة. والسؤال الذي يطرح هو: ما الذي يدفع شبابا اميركيين للخروج الى الشارع من اجل الاحتجاج بشأن قضايا في مواقع جغرافية في العالم الثالث على بعد آلاف الاميال؟ بعض المعلقين الغربيين يردون هذه الظاهرة المتنامية الى ثورة الاتصال والمعلومات التي انطلق زخمها مع بداية عقد التسعينيات. هذا التفسير صحيح.. لكنه يغفل السبب الجذري. اجل.. لقد فتح البث التلفزيوني والاذاعي المباشر عهدا عالميا جديدا يتجسد في فضائيات تبث بعرض العالم وطوله لمدى اربع وعشرين ساعة.. تنقل الاحداث نقلا مباشرا حيا من مواقعها الجغرافية وتشفع ذلك بتعليقات وتحليلات ومناقشات. وجاء انتشار الانترنت ليضيف زخما اعلاميا على زخم. هذا الضخ الاعلامي المتدفق نهارا وليلا بمساحة العالم كله يجعل ذهنية الشاب الاميركي في اي مدينة اميركية مزودة على الدوام بمعرفة اعلامية مواكبة لما يجري في اي مكان في آسيا او افريقيا فضلا عن الاميركتين واوروبا واستراليا. و«المعرفة قوة» كما يقول هنري كسنجر فهي وقود الوعي الذهني.. والوعي الذهني هو الشرط الاول للفهم الصحيح للاحداث وما وراء الاحداث. مع ذلك تبقى الثورة الاعلامية المعاصرة مجرد عامل مساعد فيما يتعلق بتفسير ظاهرة التمرد السياسي الذي اصبح ينتظم صفوف الاجيال الصاعدة في الولايات المتحدة والغرب عموما فما هو السبب الموضوعي اذن؟ ربما بدأ الشباب الغربي يفكر بذهنية عالمية شاملة، لانه ربما اخذ يكتشف ان هناك خيطا عالميا واحدا يربط بين قضايا لا يبدو سطحيا ان بينها رباطا. ولنعد الى شعارات المظاهرات في واشنطن ولندن وبرلين وباريس لنتساءل من الزاوية الذهنية لشاب غربي: ما هو ذلك الخيط العالمي الذي يمكن ان يربط بين استهداف العراق عسكريا بواسطة الولايات المتحدة وبين ظاهرة العولمة؟ او بين استهداف ارييل شارون لجماهير الشعب الفلسطيني وبين استهداف جورج بوش للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز؟ ان القاسم المشترك ـ اي الخيط ـ بين هذه القضايا التي تبدو متناثرة جغرافيا ومختلفة موضوعيا ـ يتمثل في الولايات المتحدة ـ او بالاحرى الطبقة الحاكمة في واشنطن التي تمثل الوجه الخارجي لنفوذ الشركات العملاقة التي تعمل على نطاق عالمي. يقول كثير من المعلقين الغربيين الآن ان المناخ الاستثنائي الذي افرزته «احداث سبتمبر» جرى استثماره جزئيا بواسطة الطبقة الحاكمة الاميركية لتبرير ضرب العراق لكن يجوز ان يضاف الى هذا الاستنباط ان تصنيف العراق بواسطة ادارة بوش كهدف تال من اهداف «الحرب ضد الارهاب» هو الذي ادى الى تفجير تمرد الشباب الاميركي. ولنعد مرة اخرى الى شعارات المظاهرات.. لقد لوحظ ان الموجة الثانية للمظاهرات تضمنت شعارا جديدا لم يكن له وجود في الموجة التظاهرية الاولى هذا الشعار هو: «لا للدم مقابل النفط». المقصود بالطبع هو النفط العراقي والمغزى الذي يعكسه الشعار هو ان مجموعة شركات النفط الاميركية هي التي تقف وراء مخطط الحرب ضد العراق لتضع يديها على ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم، حتى تكون في موقف فريد يمكنها من التحكم في امدادات النفط الى السوق العالمية وبالتالي التحكم ايضا في الاسعار، اما بهدف تعظيم الارباح او ممارسة الابتزاز. لكن ربما تكون ثورة الوعي لدى الشباب الاميركي اكبر من ذلك واعمق فالربط بين نفط العراق والمعركة التي يخوضها الرئيس الفنزويلي شافيز لمقاومة سيطرة الشركات النفطية الاميركية على صناعة النفط الفنزويلية.. وبين مناصرة الشعب الفلسطيني ضد السيطرة الاحتلالية الاسرائيلية، ربما يكون تعبيرا غير مباشر لدى الاجيال الاميركية الجديدة ضد النفوذ اليهودي الصهيوني كظاهرة عالمية تنطلق من داخل الولايات المتحدة. والشهور المقبلة قد تكشف المزيد، خاصة اذا اقدم بوش على ارتكاب حماقة غزو العراق.