الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 معظم المتشيعين لزعم ديمقراطية النظام الاسرائيلي يتعامون عن التناقض بين هذا الزعم والممارسات الطغيانية الاستبدادية التي تقترفها نخبة الحكم الصهيونية بحق محيطها الاقليمي، بل وضد المواطنين الاسرائيليين من فلسطيني 1948، وعندما يسألون عن تفسير لهذا السلوك المزدوج، يدفع هؤلاء برأي أكثر إزدواجية وغرابة.. هو أنه ليس ثمة تناقض ولا يحزنون، فقد يكون نظام سياسي ما ديمقراطيا في الداخل وديكتاتوريا تسلطيا تجاه الخارج! وهكذا يعتدي أصحاب هذا التكييف على فكرة اتساق التصرفات الداخلية والخارجية أخلاقيا وسياسيا من جهة، وينتهكون من جهة أخرى واحدة من النظريات المستقرة في فقه النظم السياسية وصلتها بتفاعلات العلاقات الدولية، التي مؤداها أن السياسة الخارجية هي الى حد كبير امتداد للسياسة الداخلية. فطبقا للسوية المنطقية العامة لا يسهل تقبل الوعظ والارشاد الى الفضيلة ممن لا يتسق سلوكهم الذاتي وما يدعون اليه.. وعادة ما يرمى من يعملون بهذه الشاكلة بالفصام النفسي أو بالنفاق والمخاتلة، كونهم، أفرادا عاديين كانوا أم مسئولين أم دعاة وأصحاب فكر أو رأي في أي موقع، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم. ولعله من المثير حقا أن هذه المقاربة الدقيقة التي تطرحها كل الثقافات الانسانية لذوي الوجهين في العلائق الاجتماعية، تكاد بحذافيرها أن تكون من ملهمات فقه العلاقات الدولية، الغربي الليبرالي منه بالذات. فهذا الفقه يحذر من رواج النظم التسلطية والعنصرية والديكتاتورية، ليس فقط اتقاء لشرورها الداخلية ضد شعوبها باهدارها لمختلف أجيال حقوق الانسان وأنماطها، وإنما أيضا وأساسا لأن وجودها ينطوي على احتمالات قوية لاثارة الحروب والاعتداءات في محيطها الاقليمي والدولي بحسب ما يتوفر لها من قدرات وطاقات ولقيادييها المتسلطين من طموحات ونزوات. بمثل هذه النظرية شديدة الجاذبية، جرى تبرير ضرورة التصدي للنظم الفاشية وما عرف بدول المحور في منتصف القرن الماضي. ومما ذكره زعماء معسكر الحلفاء في ذلك الحين أن السلام الدولي لن يتحقق إلا بزوال تلك النظم. وفي وقت لاحق، كرر المعسكر الرأسمالي الخطاب ذاته مع بعض التعديلات اللازمة لمواءمة مقتضى الحال، في معرض التصدي للمنظومة الاشتراكية. ولم يلحظ الذين أخذتهم العزة للديمقراطية والسلام العالمي في هاتين المناسبتين التاريخيتين، أنهم هم أنفسهم بنظمهم الموسومة بالديمقراطية، كانوا يستعمرون أكثر من نصف الكرة الأرضية ويقهرون أمما وشعوبا يفوق عددها عدد أممهم وشعوبهم. وبالطبع لم يلحظ أولئك أن معظم النظم الديكتاتورية التي احتاجوا من أجل ازاحتها واستئصالها لحروب ضروس بحجم الحرب العالمية الثانية والحرب العالمية الباردة، كانت في التحليل الأخير من منتجات الثقافة ـ الحضارة إن شاء البعض ـ ذاتها التي ينتمون اليها. وأن بعض هذه النظم اعتلى سدة الحكم عبر اجراءات ديمقراطية كالتي يفاخرون بها في سيرورة العملية السياسية في بلادهم «النازية في المانيا مثلا». نود بذلك القول بأن النظم التي تدعي حيازة الكمال الأخلاقي والطهرية الديمقراطية، وأنها في سعيها الى تعميم هذا المكتسب على الخلق أجمعين يمكن أن يصل بها الأمر لاعلان الحرب على الدكتاتوريات والشموليات، ليست هي ذاتها ببناها وممارساتها ولا بثقافتها الأم مبرأة من شبهة التسلط والعدوانية. فصراع هذه النظم ضد القوى الفاشية سابقا كان في حقيقته اشتباكا بين مستعمرين قدامى ومستعمرين جدد. كل منهم أجاز لنفسه استباحة شعوب أخرى، أرضهم ومواردهم ودمائهم، متوشحا بمثل عنصرية غير أن خطيئة النظم الفاشية تأتت فيما يبدو من ادخالها لبعض شعوب دائرة عالم الغرب في طائفة الأقوام الأدنى مرتبة، التي يمكن استباحتها. وبشئ من التحري والتأمل قد نتوصل الى أن الديمقراطيات الغربية استخدمت في مواجهتها الباردة للقوى الاشتراكية كثيرا من الشعارات الخاصة بالحرية والديمقراطية، التي سبق أن توسلت بها في صراعها الساخن مع دول المحور. لكن هذه الديمقراطيات لم تتخل عن سمة جوهرية من سمات سلوكها الدولي لمرحلة ما قبل الحرب الباردة، هي الميل للتوسع والهيمنة والاستعمار، وإن عبر أدوات ومداخل مغايرة. ويبدو أن التناقض بين الشعارات والتصرفات خصيصة أخرى ملازمة لهذه النظم، فهي لم تتأنف من أو تتعفف عن الضلوع مطولا في مساندة بعض أكثر ديكتاتوريات العالم الثالث دموية وقمعية.. غير آبهة بما ينطوي عليه ذلك من مفارقة ومضامين نفاقية. لقد ملأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الدنيا ضجيجا حول القش والخشب في عيون الدول الاشتراكية لجهة انتهاك الحريات الأساسية والنوايا التوسعية وقمع التعددية السياسية وحقوق الانسان، ولكنهم لم يروا القش والخشب في عيونهم. وهذا ما يحدث مجددا في السياق الدولي الراهن، الشعارات هي هي: الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان ومطاردة قوى محور الشر ـ كشأن النظام العراقي! وتأمين العالم من شرورها. وأصحاب الشعارات هم هم أيضا مع تعديلات لم تمس الزعامة الاميركية لهم، والمخاطبون لم يتغيروا وهم قوام شعوب الأرض الذين يراد بهم السمع والطاعة لأقوال لا يصدقها العمل. الديمقراطيات الغربية أظهرت على مدار تاريخها ـ في أوروبا والولايات المتحدة ـ تجليات استعمارية عدوانية لا يمكن دحضها، وقد تابع النظام الاسرائيلي هذه المسيرة واهتدى بها بامتياز، وهذا طبيعي كونه من منشآتها وحامل جيناتها الوراثية، الأكثر سوءا منها بصفة استثنائية. فالأسئلة إذا مشروعة عما اذا كانت هذه النظم قادرة بالفعل على العمل بساسيتين، بتوجهين ثقافيين، بنمطين من السلوك، أحدهما يخاطب الداخل بكل رحابة وأريحية وانفتاح واجراءات تجسد الحياة الديمقراطية، والآخر يتعامل مع الخارج، أو بعض الخارج في الحقيقة، بكل تجهم وشراسة وعدوانية؟ أيعقل أن تكون السياسة الخارجية، كامتداد للسياسة الداخلية، نظرية مقصورة الصدقية على نظم دون أخرى؟.. ثم لماذا لا يكون عكس هذه المعادلة صحيحا، أن تنعكس السياسات العدوانية الطغيانية لنظام ما على أنماط تعاملاته الداخلية؟ ولماذا لا يسمح لنا بالاستدلال على حقيقة مساحة الممارسة الديمقراطية لنظام ما تجاه شعبه ومواطنيه انطلاقا من متابعة سلوكه الخارجي؟ والى أن تأخذ مثل هذه التساؤلات حقها من البحث المعمق، فإن اجتهادنا هو أن نظرية الصلة الوثيقة بين السياستين الداخلية والخارجية لأي نظام سياسي تبقى صحيحة. وأن النظم التي تميزت ديمقراطية للداخل وعدوانية للخارج تستبطن أبعادا عنصرية بدرجة أو أخرى. واذا لم تكن هذه الأبعاد متغلغلة في الثقافة السياسية المحيطة بالمجالات الاجتماعية لهذه النظم، فمن المرجح أنها مبثوثة بين يدي نخبها الحاكمة. ـكاتب فلسطيني ـ القاهرة