الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 من المصادفة أن انتهي من قراءة رواية متميزة بعنوان (عالم صدام حسين) للكاتب مهدي حيدر، وهي من منشورات الجمل في ألمانيا، التي تصف عصرا كاملا للعراق الحديث منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم. وان كانت الرواية كما قصد كاتبها أن يقول تخلط الحقائق بالخيال، إلا انه خيال ان صحت التسمية، فهي تعطي قارئها صورة كاملة وواضحة ومُشبعة للعراق الحديث بكل تناقضاته ومآسيه الإنسانية، وترسم صورة طبق الأصل لصعود فئة من العراقيين إلى سدة السلطة، وتصف الوسائل التي اتخذوها والأهداف التي قرروا أن يحققوها، وهي أهداف لا تخرج عن الطموحات الشخصية مغلفة بشعارات كبيرة. أقول من المصادفة انه بعد الانتهاء من قراءة تلك الرواية التي شدتني بتفاصيلها، أن احضر وعلى مدى يومين في بداية هذا الأسبوع في لندن، تجمعاً ضم خبراء من الشرق الأوسط بما فيه إيران وتركيا وعدد من الدول الأوروبية، وكذلك من الولايات المتحدة، بدعوة مشتركة من مركز نكسون للأبحاث الاستراتيجية في واشنطن، والمعهد البريطاني للدراسات الاستراتيجية في لندن، وكان البحث في هذا اللقاء يدور حول العراق المستقبلي، وبين الخيال القريب إلى الواقع، والواقع القريب إلى الخيال، يظل العراق هذه الأيام في بؤرة الحركة السياسية العالمية، وربما يتقرر مستقبل المنطقة الشرق أوسطية بما يحدث أولا يحدث هناك. يبدو أن جملة الخبراء الذين تحلقوا حول الدائرة المستديرة في اليومين اللندنيين الباردين، متفقون على أن الحرب قادمة، وان فرصتها هي الأسابيع القليلة القادمة لا أكثر، والمهم هو ما سوف يحدث أو ما يمكن أن يحدث بعد الحرب. سيناريوهات المستقبل هناك أكثر من سيناريو، الأول أن هذه الحرب ستكون مكلفة باهظة الثمن، وسوف تفتح أبوابا من الشر في المنطقة بأسرها، من الصعب أن تغلق لفترة طويلة، أو تقدر نتائجها اليوم، ووجهة نظر أخرى مناقضة تقول أن الحرب يمكن أن تكون عاجلة وسريعة، وتفتح طاقة الأمل لمنطقة ابتليت لفترة طويلة بالحروب والمنازعات. بين السيناريو الأول والأخير عدد من السيناريوهات تقترب أو تبتعد عنهما في الدرجة وليس في النوع. ما لفت نظري أن هناك إجماعا بين الخبراء الأميركان بحتمية هذه الحرب، حتى وان كان بعض الأوروبيين يقاومونها، خاصة بلد مثل فرنسا أو ألمانيا، فهم لهم مخاوفهم وطموحاتهم أيضا، فهي حرب سوف تشق التجمع الأطلسي إلى شقين أغلبية مع الحرب وأقلية ضدها، إلا أن الأهم هو ما يعد من قبل الخبراء الذين يعكفون في واشنطن على إقامة سيناريو لنظام بديل في بغداد، فهذا النظام يراد له أن يكون مثالا يحتذى في المنطقة، هذا على الأقل ما تحلم به واشنطن. تذهب وجهة النظر المتفائلة للقول أن هناك قاعدة لإقامة نظام جديد في بغداد، فالعراق لها من القدرة الاقتصادية المالية والطبيعية ما يؤهله لان يكون ورشة كبيرة للإنتاج والعمل، خاصة أن هناك ثلاثة ملايين عراقي في الخارج قد تدربوا في جملتهم على أشكال من الحرف والعمل والمهارات يمكن بها أن يبدأ العراق الجديد، يساعد ذلك احتمال تدفق رؤوس أموال من الخارج للاستثمار الكثيف في مصادر الثروة العراقية، أكانت نفطا أو ثروة طبيعية تحت الأرض، أو استخدام أفضل للأرض الزراعية ومصادر المياه المتوفرة، هذا ما يجعل العراق الجديد يلج النظام لاقتصادي العالمي ومتطلباته بسهولة ويسر، وتبني أدواته أيضا. الاستثمار في الإنسان هو قاعدة الاستثمار المستقبلي في العراق، فسوف تشهد مناهج التعليم تغييرا جذريا من مناهج القطعية والشمولية إلى مناهج التسامح والقبول بالاخر، والاعتراف به، وقبول التعددية الاجتماعية والعرقية، وهو أمر يرى الخبراء مركزيته في أحداث التغيرات على المدى المتوسط والبعيد في العراق وفي المنطقة كلها، كما أن الحصار على سوئه قد خلق في العراق فئات واسعة من العمالة المدربة، وهي عمالة تم بناؤها قبل ذلك بسبب طموحات التسليح المتسرع، وبسبب نقص كبير في المواد المصنعة القادمة من الخارج، هذه الفئة ستكون جاهزة لإقامة تصنيع حديث، يتجه إلى الإنتاج في السلع السلمية، والخدمات المدنية. إلا أن هذه الأفكار الطموحة تواجه على ارض الواقع مشكلات ليست هينة، فالمعارضة العراقية مشتتة ومتنافرة وغير متوافقة على حد ادنى من العمل المشترك، ومن يقرأ أدبياتها الحالية يرى كم هي بعيدة عن التوافق والعمل المشترك، وذلك ما يعوق أي قبول سلمي لتعددية سياسية في المستقبل، كما أن المعارضة الخارجية ليست بالضرورة لها امتدادات واقعية وكثيفة في الداخل، ولربما قام العسكر في الداخل بدور اكبر مما هو متوقع في النظام الجديد، خاصة إذا ما ساهموا في التعجيل بتغيير النظام القائم، حيث أن العسكر لهم تاريخ طويل في السياسة العراقية منذ انقلاب بكر صدقي في الثلاثينيات من القرن الماضي مرورا بالعديد من الانقلابات العسكرية التي شهدتها العراق بعد ذلك. الوجه الآخر هذا السيناريو المتفائل يقابله سيناريو آخر، يقول ان القدرة الأمريكية على إقامة دولة حديثة في العراق في المستقبل هي قدرة ضئيلة، وان العلاقات بين القوى الاجتماعية والسياسية العراقية قد تسممت إلى درجة أن الشقاق بينها سيعطل قيام أي سيناريو ايجابي ممكن، كما أن قدرة الولايات المتحدة على البقاء لتنفيذ سياستها بنفس طويل، أمر مشكوك فيه يدل تاريخها السابق في مثل هذه الحالات على ذلك، ويذهب هذا السيناريو للقول ان (اليوم الثاني ) للحرب سوف يفتح على المنطقة شرورا لا قبل لأحد بها، منها على سبيل المثال احتمال حرب أهلية تقود إلى تقسيم العراق إلى مناطق نفوذ خارجية، أو تدفق هائل للاجئين عراقيين إلى مناطق الجوار، أو حتى التقسيم الفعلي للعراق الذي نعرف. في كل الأحوال يبدو أننا في المنطقة لم نستطع أو لا نريد أن ننظر إلى نتائج (اليوم الثاني) بعد الحرب، لا السلبية ولا الايجابية، إذ افتقدنا التخطيط أو الوعي. وسوف يؤدي تجاهل النتائج في المدى المتوسط أو البعيد، إلى أن تدفع المنطقة منذ الآن ثمنا باهظا للمخاطر، وهي مخاطر نابعة من تصورات متناقضة لما يريده الغرب من منطقتنا، وما نريده نحن لأنفسنا. ـ كاتب كويتي