الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 لماذا تنجح هذه المؤسسة وتفشل نظيرتها؟ ولماذا يرتفع مستوى الانتاج لديها بصورة طردية مع مرور الوقت بينما ينخفض مستوى انتاج مؤسسة شبيهة تعمل في الحقل نفسه وتتوفر لها العديد من الموارد التي تهيأت للمؤسسة الاولى؟ ان اكتشاف العوامل التي تتسبب في النجاح او تساهم في الفشل شغلت ومازالت تشغل علماء الادارة الحديثة الذين ساهم نشاطهم الملحوظ في حسم مواقف الدول المتقدمة لصالح الترحيب بالانتاج النوعي، ونبذ الانتاج العادي الذي عد رديئا ومخيبا للآمال. اما العامل الذي حاز على السبق والصدارة في تشكيل مستقبل المؤسسة وتحديد المستوى الذي ظهر عليه اداء الموظفين فقد كان عامل وضوح الرؤية، ووجود الهدف المشترك الذي تجمع حوله افراد المؤسسة واتخذوه مطلبا جماعيا توحدوا لاجله، وانتموا اليه وضاعفوا من سرعتهم لنيله وتحقيقه. وغير خافٍ ان الوصول الى هذا المستوى من الاندماج والتناغم والاداء المحقق لمطالب الاهداف العليا تطلب قدرا من الممارسات المسئولة لصناع القرار في المؤسسة الناجحة عملت على صياغة رؤية مشتركة ساهم فيها جميع العاملين الذين تهيأ لهم الاتصال المباشر بالجهاز الاداري، والمشاركة في وضع رؤية المؤسسة ومناقشة الاهداف واختيار نوعية البرامج المحققة لتلك الاهداف. لقد كان الانتماء الحقيقي للمؤسسة هو الدافع الذي نتجت عنه الممارسات الايجابية للجهاز الاداري، الذي اظهر حرصا غير مسبوق في استقطاب كافة الموظفين للمساهمة في تحديد الرؤية واختيار الاهداف المحققة لها، واعطى ضوءا اخضر للافكار الخلاقة والابداعية لكي تعبر عن نفسها بحرية تامة. كما ان ميزة صدق الانتماء الى المؤسسة يرفع من سقف الاهداف، ويؤدي الى الاعتماد على خطط طموحة لا تقبل بالنجاحات الصغيرة وتصر على تحقيق نجاحات نوعية مهمة وكبيرة. واللافت ان بعض المؤسسات حين لا ترفع سقف الاهداف تعتقد انها تحسن بذلك صنعا بينما اخطأت الطريق من حيث ارادت على نفسها اختصار الجهد في مزاولة التفكير النشط الذي لا يرضى بالمستويات العادية من الانجاز ويصر على الوصول الى موقع الصدارة. فالمفاهيم السلبية، والممارسات الضعيفة، وتبادل الاتهامات، والرغبة في التبرير كلها عوامل تفكيك للروابط بين العاملين جلبها الشعور بانتفاء الطموح لدى الجهاز الاداري. فالحماس يعدي والارادة الفاعلة تتحول الى مولد عالي التأثير ينتقل من قسم الى آخر في محيط العمل بتلقائية وانسيابية تؤكد ان ثمة رغبة حقيقية في التغيير الايجابي في البيئة الوظيفية. ومما يضاعف من جودة الالتقاء على الاهداف المشتركة هو النمو الطبيعي والمتصاعد لكافة الموظفين وها هي الدول المتقدمة تؤكد ضرورة النمو والتطور ومضاعفة الرصيد من الخبرات العلمية والعملية كشروط لازمة للاستمرار في العمل. يرتفع الحماس اذن حين تحضر الاهداف المشتركة ويفسح المجال للابداع والاتقان، وحين تحدث ثورة شاملة في بيئة العمل اساسها ارادة التغيير من اجل التطوير والنمو، ودعامتها الاولى فتح المجال للجميع ليعبروا عن آرائهم. وهذا مارتين بوبر الكاتب في الشئون الادارية يذهب بعيدا في تأييد هذا الرأي، ويؤكد ان ارادة التغيير الايجابي لا تتحقق الا عن طريق ارادة جماعية مشتركة في تحمل المسئوليات والالتزامات التي تم الاتفاق عليها، فهو يقول: «الرجال فقط هم الذين يظهرون عظيم احترامهم لبعضهم البعض فيستخدمون كلمة «نحن» عندما يتحدثون سويا». ويوافقه ستيفن كوفي الرأي قائلا: «ان الانصات بصدق يحقق الفهم والثقة، وبذلك نخلق البيئة المحققة للفهم المشترك، وبدلا من البقاء على طرفي نقيض ينظر كل منا الى الطرف الآخر بسوء فهم، يتحول كلانا لنقف في طرف واحد لننظر سويا الى الحلول المناسبة للطرفين». أليست هذه وصفة ذكية لعلاج العديد من المشاكل المتراكمة عبر الايام والشهور؟! ان كل ما تحتاجه المؤسسات الطموحة لتصل الى ما تريد ان يتوفر لها قدر من الشجاعة في نقد الذات لكي تحقق معنى الانتماء الى الافكار العليا التي تحرر الطاقة وتجلب النجاح اللا محدود