الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 عوّدتنا دبي على أن تنطلق بمشاريعها المتميزة تسطّر بها أفكاراً إبداعية للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، العقل الذي يزيد هذه الإمارة تألقاً، لتكون نواة استثمارية للشرق الأوسط، دلَّل عليها مهرجان التسوق ومشروع استثمار الشباب وغيرهما من المشاريع، إلاّ أن أي مشروع غير مألوف وجديد يواجه النقد بالسلب والإيجاب، وهذا ما لحظناه في الفترة الأخيرة حينما دارت عجلة «إعمار العقارية» مسرعة لتعلن في فترات متقاربة عن مشاريع ومنتجعات سكنية نظر البعض إليها على أنها خطوة تزيد الأمر سوءاً فيما يتعلق بخلل التركيبة السكانية، مضاعفاً بذلك ما تخشاه العقول المحلية نتيجة الوضع الراهن من كل ما يرد فيه اسم أجنبي بغض النظر عن كونه مستثمراً أو مستهلكاً. على أن من يقوم بزيارة لتلك المواقع يجد انها خطوة تسعى فيها حكومة دبي لأن تكون الرائدة في الشرق الأوسط، كيف؟ فالكل يعلم بأن لدينا في الوطن مساحات صحراوية واسعة لا يقطنها أحد، ومهما حاولنا ملأها لن نستطيع بسبب قلة عدد السكان، لذا فإننا حينما نقوم باستثمارها في مشاريع كهذه فإننا نستقطب إليها فئة محددة من تجار ومستثمري العالم، والذين لا يقل رصيد الواحد منهم على أسوأ احتمال عن 10 ملايين دولار، أو حتى درهم، ما يجعله قادراً على شراء ما قيمته مليونا درهم أو أكثر من تلك المشاريع. ولو قال أحدهم بأنه يمكننا الاعتماد على هذه الفئة من خلال الزيارات السياحية، فلابد أن لا يغيب عنه أن المناخ الجوي لبلادنا يعيق بقاءهم داخل البلد لفترات طويلة، ولكن حين يملك منزلاً فهو مجبر على الاستقرار فيه، باعتبار ملكيته للمكان الذي يسكنه، وبالتالي سيقوم بصرف جزء كبير من ماله في المطاعم والمتنزهات والحركة التجارية والمدارس وما الى ذلك، حتى وان اتسع الخلل في تلك التركيبة بسبب تلك العمالة التي سيحتاجها المستثمر والمتمثلة في الخدم والسائقين... الخ، إلا أننا سنضيف لكونه مستثمراً، كونه مستهلكاً في الوقت نفسه، على عكس الأجنبي الفقير الذي يجمع كل ما يحصل عليه ليستثمره بعيداً عنّا في وطنه. وهذا يذكِّرنا بهونغ كونغ حينما استعمرها الانجليز، وهي جزيرة صغيرة تتمتع بموقع جغرافي وعمالة رخيصة لا تكلِّف الكثير، كما انها محاطة بأسواق كبرى كالصين مثلاً، تحت ادارة بريطانية لمدة قرن ونصف القرن جعلت منها مركزاً حياً يحدث طنيناً تجارياً واستثمارياً، فكوّنت خط ملاحة خاصاً بها (الباسيفيك)، وحظيت بمستثمرين، وحققت نجاحاً تسعى بعض الدول لمحاكاته، كما هو الحال في لبنان مثلاً، ولكن لحكومة دبي خصوصية تجعلها تحرز قصب السبق في ذلك، إذ كوّنت خط ملاحة خاصاً بها، واهتمّت بالمشاريع التجارية والاقتصادية، ولها موقع جغرافي يسهِّل اتصالها بدول العالم دون عناء، وكل ذلك قد يوجد في دولة أخرى تسعى للشيء ذاته، إلا أن الأهم من ذلك كله أنها تحظى باستقرار سياسي. إذن قصة نجاح هونغ كونغ أو سنغافورة لن تختلف كثيراً عن قصة النجاح التي ستسطر يوماً لمدينتنا، ولكن لابد لنا من حَبْك عناصر تلك القصة وعدم اغفال أي جزء منها، فالطاقات موجودة، والأموال موجودة، ولكن لابد من جهود إدارية جبارة تسيطر على هذه المشاريع حتى لا تُحْدِث السلب أكثر من الإيجاب، لتماثل ما وصلت اليه هونغ كونغ وسنغافورة، ولكن بظروف خاصة بنا وبمنطقتنا وقدراتنا، لتنتقل جميع الأنظار إلينا وتتهافت على أن تحجز بقعة من أراضينا لتستثمرها، وحينها سيكون لنا عالمية تزداد على ما نحن فيه بوجود هذه الفئة من المستثمرين تماثل ما حظيت به سويسرا، فهي دولة أوروبية ذات مساحة صغيرة مقارنة بدول أوروبا، ورغم ذلك ليس لديها جيش، وليست بحاجة لذلك، لأنها وبكل بساطة تدير وتحفظ أموال مستثمري العالم بمصارفها ذات الصفة العالمية. ولنا أن ننتظر النتائج التي لن يطول الوقت ليكشف عنها الستار، ومن يخالفني الرأي له أن يفكِّر في أقل من ثانية ان ذلك المستثمر الذي نشن عليه الحملة قد بدأ فعلياً ببدء الصرف من أمواله على تلك المشاريع، حتى قبل أن يسكنها، مستثمراً إياها فيما يعود عليه بالنفع ويملأ مساحات واسعة لن نملأها إلا بعقول تعرف كيف تخطط للاستثمار وتدير إمكانيات، فإلى الأمام يا دبي دائماً.